الرئيسية / تحقيقات / جامعة دمشق.. قلعة الفساد و”التشبيح” – دانيال سعيد
جامعة دمشق.. قلعة الفساد و”التشبيح” – دانيال سعيد

جامعة دمشق.. قلعة الفساد و”التشبيح” – دانيال سعيد

عند الحديث عن المؤسسة التعليمية في سوريا، بوصفها مؤسسة تتبع الدولة السورية مهمتها الأساسية إعداد كوادر وطواقم أكاديمية تقود المجتمع والدولة نحو الأفضل يجب أن نضع بعين الاعتبار أن جميع مؤسسات الدولة يجب أن تشترك فيما بينها في عملية تطوير المجتمع، لكن المؤسسات السورية التي بناها النظام السوري خلال فترة حكمه الطويلة يسودها مناخ من انعدام المسؤولية تجاه الفرد والمجتمع، وحالة من سعار الفساد المنهجي، الذي تفشى بشكل مرعب مع انطلاق الثورة ليأكل ما تبقى من هيبة هذه المؤسسات.

كانت جامعة دمشق وسط فوضى الفساد إحدى المؤسسات الحكومية التي أشرفت على الانهيار مع تصاعد الفساد وكبت الحريات فيها، حتى تحولت الجامعة لسجن كبير يمارس فيه أصحاب السلطة ساديتهم على طلبة الجامعة الذين أصبحوا في حالة يأس مطلق.

فساد متجذر

التسيب والانفلات والفوضى والعشوائية حالات متجذرة منذ زمن طويل في كليات ومعاهد جامعة دمشق، الأمر الوحيد الذي تغير منذ انطلاق الثورة هو أن كل الفساد المخبأ في أدراج مكاتب الجامعة طفا على السطح.

وكما يمارس الضابط سلطته على الجنود يمارس الطاقم الجامعي من مدرسين وإداريين سلطته المطلقة على الطلبة، حتى باتت الحالات الصحية والسليمة مجرد نقطة باهتة في بحر هائج من الفساد والمحسوبية، فهي لا يمكن أن تحدث انقلاباً أو تصحيحاً في عمل النظام التعليمي الفاسد في الجامعة.

يعرقل أحد الموظفين تسجيل طالب في كلية الحقوق بجامعة دمشق للعام الدراسي الحالي وبالتالي يحرمه من مصدقة التأجيل عن الخدمة الإلزامية في الجيش، وعندما يراجعه الطالب ينهي الموظف الحديث بعبارته الساخرة: أي شو بعملك يعني؟ صديق الطالب يمازحه قائلاً: الموظف كسر حاجز الخوف وبدو يعمل فيها “أبو علي”، إنها ليست بيروقراطية وليست روتين المكاتب، بقدر كونها استعباداً يمارسه القوي على الضعيف، وهذا هو تجلي السلطة المطلقة لموظفي جامعة دمشق وغياب تطبيق القانون فيها وانعدام الحس بالمسؤولية، “قانون الغاب” هو القانون الخفي الذي يدير كل شيء في جامعة دمشق، القانون الذي يرضى به الجميع باللاوعي ويعدون كل شيء سواه مصدراً للريبة والشك.

تدخل إحدى الطالبات من عائلة “الأسد” قاعة امتحان مادة “أصول المحاكمات المدنية” في السنة الثالثة في كلية الحقوق، تجلس لبضع دقائق ثم تغادر، وعند صدور النتائج يفاجأ جميع الطلاب بأنها حصلت على 72 علامة فقط لتكون أعلى علامة في الدفعة في المادة التي يدرسها الدكتور محمد واصل المعروف بأنه أحد رؤوس الفساد الكبرى في الجامعة، الأمر الذي مكنه مع بدء الثورة من الوصول إلى كرسي عمادة كلية الحقوق.

ثورة الجامعة المخيفة للجميع

بعد انطلاق الثورة ضجت كليات جامعة دمشق ومعاهدها بالمظاهرات التي كانت أضعف بكل حال من تظاهرات جامعة حلب التي سرقت جميع الأضواء، لكن الحراك الطلابي المحدود نسبياً في جامعة دمشق بدأ يخرج عن السيطرة مع بداية العام الثاني للثورة، فبدأت القوات الأمنية تمارس ساديتها بحق المتظاهرين بدعم من رئاسة جامعة دمشق التي أصدرت عشرات قرارات الفصل التعسفية الرامية لقمع انتفاضة طلاب دمشق.

جميع طلاب جامعة دمشق يذكرون تماماً قصة أحمد طالب الماجستير في كلية العلوم الذي تم فصله نهائياً من الجامعة ومن ثم تمت ملاحقته أمنياً، حتى اضطر في نهاية المطاف إلى أن يغادر البلاد هرباً وهو الآن يعمل باليومية في لبنان!

مروان طالب في كلية الآداب تم فصله نهائياً في العام قبل الماضي بعد اعتقاله في إحدى التظاهرات، وهو الآن يعمل “بلاطاً” في مدينة أورفه جنوب تركيا، أما أيهم وهو طالب الصيدلة فقد عبر غابات مقدونيا بعد بحر اليونان ليصل إلى ألمانيا باحثاً عن حياة جديدة هناك بعد فصله من الجامعة.

خسرت جامعة دمشق الكثير من طلابها المتفوقين بين من اعتقل منهم ومن هرب ومن استشهد بعد حملات القمع والفصل التي شنتها الأجهزة الأمنية بالتعاون مع رئاسة الجامعة.

منارة العلم.. قلعة “الشبيحة”

تحافظ إدارة جامعة دمشق على جو من السكون والركود في الجامعة خاصة في الفترة الأخيرة فأي حراك للطلاب من أي نوع كان يقمع بشكل أو بآخر، إلا الحراك الذي يصب في خدمة النظام، فهو يلقى تأييداً مطلقاً من مسؤولي الجامعة حتى قبل أن يعلن عنه.

الخوف ينهش الجدران والقاعات ويسيطر حتى على ضحكات الطلاب المصطنعة فعناصر “شبيبة خالد بكداش” وهي مليشيا موالية للنظام، والعسكريون التابعون لقوات النظام يتجولون بشكل دائم في حدائق مختلف كليات الجامعة باحثين عن فسحة ترويح عن النفس بعيداً عن الحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات على أطراف العاصمة.

عند مدخل كتلة الكليات الجامعية في حي البرامكة يقف شاب يرتدي الزي العسكري وآخر يلبس بيجاما رياضية ومعهما تقف فتاة ويشرفون على تفتيش الجميع، الشابان يفتشان حقائب الشباب والفتاة تفتش أغراض الطالبات في مشهد تتحول معه جامعة دمشق لثكنة عسكرية، أثناء تفتيش حقيبته وحقيبة صديقته يقول لها أحمد، الطالب في كلية الإقتصاد: شايفة.. المرأة نصف المجتمع لها ما لنا وعليها ما علينا!

فرع “تشبيح” خاص بالجامعة

تستخدم رئاسة جامعة دمشق في إدارتها لشؤون الطلاب مؤسسة يطلق عليها الطلاب تهكماً اسم “وزارة الداخلية”، وهي مؤسسة “اتحاد الطلبة”، وهو يضم طلاباً من شتى الاختصاصات يجمعهم ولاؤهم المطلق للنظام السوري الذي دفعهم للتحول من طلاب جامعيين إلى جواسيس على رفاقهم وشبيحة مسلحين ضدهم أحياناً!

في بداية العام الدراسي قام أعضاء “اتحاد الطلبة” بجمع الطلاب المستجدين أمام مكتب الشؤون الطلابية، جمعوهم كما تجمع الأغنام ليلقوا عليهم خطبة الولاء للرئيس والوطن والحذر من العبث بأمن الجامعة، كانت هذه طريقتهم في فرض سيطرتهم.

أثناء الاجتماع كان أعضاء اتحاد الطلبة يضبطون الطلاب المستجدين باستخدام عبارات من قبيل: سد بوزك يا زميل، التزم بصفك يا سنفور، اقعد بأدبك يا طبل، أنت أيها الكر هناك التزم بالنظام!

هذه العبارات كانت ضرورية يومها لتعريف الطلاب المستجدين بحقيقة جامعة دمشق، البعيدة تماماً عن خيالاتهم التي بنوها عنها أثناء دراستهم الثانوية، اليوم بات الجميع يعرف أن دخولك الجامعة لا يعني إلا اندماجك أكثر في منظومة القهر والاستعباد!

السياسة خط أحمر

تحريم السياسة في أروقة الجامعات السورية قديم، فقد منع طلاب الجامعات السورية من ممارسة أي نشاط سياسي في الجامعات منذ توطيد نظام حزب البعث لحكمه في منتصف السبعينات، فالتجمعات ممنوعة وتشكيل الجمعيات الطلابية ممنوع وتشكيل الحركات الطلابية ممنوع وإصدار الصحف والمجلات الجامعية ممنوع.

بعد اندلاع الثورة شمل المنع حتى تجمع الطلاب خارج القاعات الدراسية حتى أن إدراة جامعة دمشق قد منعت منذ العام الماضي الطلاب من إقامة الرحلات الجامعية، واعتبرت أن أي قرار من الطلاب بخصوص رحلة جامعية دون علم رئاسة الجامعة يصنف في بند التمرد على النظام الجامعي، وبالتالي يعرض مرتكبيه للمسائلة القانونية التي تتم من خلال سلطة رئيس الجامعة بإصدار قرارات الفصل المؤقت والدائم.

يأس وفراغ

خلت كليات جامعة دمشق من طلابها الثائرين وسيطرت حالة من اليأس المطلق على من تبقى من طلابها، لم يبق في الجامعة اليوم إلا ذلك الطالب الذي يجد في نتيجة “الكلاسيكو الإسباني” هماً مصيرياً، وفي الاستماع إلى أغاني زياد الرحباني ثقافة وتنويراً ثورياً، وتلك الطالبات اللاتي لا يشغلهن عن متابعة أخبار الموضة والأزياء إلا أصوات الانفجارات والطائرات الحربية التي لا تغادر الأجواء.

ظروف غير مناسبة

يسأل أحد الطلاب المستجدين في كلية الاقتصاد طالباً قديماً في الكلية قائلاً: أخي هالاختصاص فيه كتير رياضيات؟ فيجيبه: طبعاً ولكن لا مشكلة في ذلك أنت درست رياضيات البكالوريا، هنا لن تتعامل مع الرياضيات بشكل تجريدي، ستقوم برسم الأحداث والوقائع الاقتصادية عن طريق الأرقام والمعادلات. جاوبه الطالب المستجد مقاطعاً: مين قلك دارس رياضيات؟ نحن قدمنا امتحانات البكالوريا بمدرسة في على يمينها الجيش الحر وعلى يسارها قوات الأمن، كنا ندخل معنا إلى قاعة الامتحان مصغرات (روشيتات) وننقل منها الحل وما كان أحد يجرؤ أن يعترض من المراقبين، كنا نحتمي مرة بالجيش الحر ومرة بقوات الأمن!

هز الطالب القديم رأسه حينها وقال: يجب أن يتغير شعار جامعة دمشق من: (وقل ربي زدني علماً) إلى:(وهل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى