الرئيسية / تحقيقات / مياه حلب.. الأزمة القديمة المتفاقمة – زينة عادل
مياه حلب.. الأزمة القديمة المتفاقمة – زينة عادل

مياه حلب.. الأزمة القديمة المتفاقمة – زينة عادل

أصبح الوضع المائي في مدينة حلب وفي ريفها كارثياً في الآونة الأخيرة؛ السبب المباشر لتردي الوضع المائي في حلب وريفها في السنتين الأخيرتين يعود إلى تصاعد النزاع المسلح بين قوات النظام وقوات الثوار في مدينة حلب، كما أن الفوضى العارمة في مناطق سيطرة الثوار والفساد المستشري والمتأصل والقديم في مؤسسة المياه في الفترة السابقة للثورة فتحت المجال واسعاً لتردٍّ إضافي في وضع خدمة مياه الشرب في مدينة حلب وريفها.

تفتح الغربال في هذا العدد ملف مياه حلب، وتحاول أن تناقش أزمة المياه التي تشهدها المدينة وأوضاع خدمات المياه في مدينة حلب وريفها في الفترة السابقة لاندلاع الثورة لتبحث في أثر هذه الأوضاع على الواقع المتردي لخدمة إيصال مياه الشرب لسكان مدينة حلب وريفها في الفترة الأخيرة.

وضع المياه قبل الثورة في مدينة حلب

كان يضخ إلى مدينة حلب وريفها 550 ألف متر مكعب من المياه يومياً عبر أربع قنوات جر من محطتي الخفسة والبابيري الواقعتين على نهر الفرات في ريف مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، لتصل المياه إلى مدينة حلب حيث توجد عدة محطات تستقبل المياه وتعيد ضخها إلى خزانات المدينة الرئيسية ليتم إيصالها لخزانات المناطق المتوزعة في أحياء المدينة عبر الضخ أو الإسالة حسب المنسوب الجغرافي لتصل إلى بيوت المشتركين.

تعد كمية ال550 ألف متر مكعب الطاقة القصوى المسموحة لقنوات الجر في الوقت الذي يبلغ فيه عدد مشتركي المياه في محافظة حلب حوالي 650 ألف مشترك؛ في تلك الفترة كانت مشكلة التقنين هي أكبر المشاكل التي يعاني منها أهالي حلب في ما يخص المياه؛ فلا يمكن لأحد من سكان حلب نسيان ساعات انقطاع المياه والتي تصل لإحدى عشرة ساعة يومياً في أشهر حزيران وتموز وآب وقد تستمر حتى شهر أيلول؛ أما في أشهر الشتاء قلا تقل ساعات التقنين عن ست ساعات في اليوم، كما لا يمكن نسيان الأصوات التي تصدرها المضخات المنزلية الصغيرة “السنترفيشات” في أغلب أبنية المدينة خارج أوقات التقنين عندما تكون الأمور بأحسن الأحوال، والتي كان يستخدمها السكان للحصول على المياه التي لا يمكن أن تصل إلى بيوتهم بدونها بسبب ضعف الضخ، ولم يكن المواطن الحلبي يستغرب عندما تصدر فاتورة بعشرات آلاف الليرات الناتجة عن أخطاء بشرية أو إلكترونية في مؤسسة المياه ليجد نفسه مواظباً على الدوام في مديرية المياه بدون أن يجد حلاً لمشكلته.

الوضع في الريف

كانت تغذية المياه في ريف حلب قبل اندلاع الثورة تتم بشكل عام عن طريق مشاريع يتم تغذيتها من قنوات الجر الذاهبة لحلب أو من خلال الآبار الارتوازية المحفورة خصيصاً لإيصال مياه الشرب إلى مدن ريف حلب وبلداته وقراه.

رغم ذلك لم يكن الوضع في الريف أفضل حالاً من المدينة؛ إذ إن انقطاع المياه كان يصل لعدة أيام؛ كما أن مساحات واسعة في الريف لم يتم تنفيذ أية مشاريع لتأمين مياه الشرب فيها؛ فمساحات شاسعة من مناطق ريف الباب ومنبج والسفيرة وعفرين ومنطقة جبل الحص في ريف حلب الجنوبي، والتي تعد من أفقر مناطق سوريا على الإطلاق، كانت خالية من أية مشاريع لتأمين مياه الشرب، وازدادت المأساة سوءاً بعد جفاف معظم آبار تلك المناطق بسبب انخفاض منسوب المياه الجوفية، ومنع أهالي تلك المناطق من حفر آبار خاصة بهم، والأمر الأكثر بؤساً في ريف حلب كان عندما يجد الأهالي قساطل مياه الشرب الممدودة من نهر الفرات إلى مدينة حلب تمر بأراضيهم التي تم استملاكها منذ خمسة وعشرين عاماً وهم لا يزالون عطشى، وقد يصل الحال بهم  إلى دفع الرُشا لمسؤولي مؤسسة المياه ليقنعوهم بتنفيذ مشاريع آبار ارتوازية ليحصلوا على حقهم في مياه الشرب في قراهم وبلداتهم.

إحدى قنوات جر المياه إلى حلب

إحدى قنوات جر المياه إلى حلب

أسباب عديدة لتردي الوضع قبل الثورة

عند سؤال المسؤولين في مؤسسة مياه حلب عن هذه المشاكل، لا يجدون جواباً سوى القول إن الشبكات بعيدة عن الخزانات وارتفاع بعض المناطق في المحافظة والتوسع العمراني العشوائي وزيادة عدد السكان هي جميعاً تعوق تقديم خدمات مياه أفضل في مدينة حلب، وإنه قد تم وضع حجر الأساس لبدء تنفيذ مشروع الجر الخامس الذي سيضيف لمدينة حلب 225 ألف متر مكعب يومياً وسيسهم في إرواء 90 بالمئة من الريف، ويضيفون إلى كل ذلك عدم ترشيد استهلاك المياه نظراً لانخفاض أسعارها.

ولكن شبكات المياه في حلب تمت دراستها في بداية التسعينات، وكانت أقطار الجرّ مأخوذة على أساس تغطية الاحتياج المائي في مدينة حلب لعشرون سنة قادمة وعلى أساس تزايد سكاني بنسبة معينة، ويتم التحقق من الضاغط المائي في كل نقاط الشبكات المدروسة قبل أن يتم تنفيذها.

هذا الكلام يشمل بطبيعة الحال الأحياء الواقعة ضمن المخطط التنظيمي في مدينة حلب، ولا يشمل مناطق المخالفات والتوسع العشوائي إلا بعد حصول ضغط كبير من السكان وتجار أبنية المخالفات المتنفذين على مسؤولي الدولة لتنفيذ مشاريع إيصال مياه إلى هذه الأحياء، كان مشروع الجر الرابع لمدينة حلب قد وضع في الاستثمار عام 2004، وتحسن مع بدء تشغيله وضع المياه في مدينة حلب، إلا أن انقطاع المياه تحت يافطة “التقنين” استمر حتى بعد بدء العمل بمشروع الجر الرابع.

اعتاد مسؤولو مؤسسة المياه على الطلب من المؤسسة العربية للإعلان إنتاج فيديوهات دعائية لبثها على التلفزيون السوري تنشر ثقافة التوفير باستهلاك المياه، رغم أن معدل استهلاك الفرد السوري من المياه والموضوعة في حسابات الاحتياج المائي في دراسات مؤسسة المياه تبلغ من 100 إلى 150 ليتر يومياً وتختلف من محافظة لأخرى, بينما يبلغ معدل استهلاك الفرد الواحد في الدول المتقدمة نحو 400 ليتر يومياً وعلى الرغم من ذلك كانت مؤسسة المياه تسعى وفق خططها لإنقاص المعدل إلى 80 ليتر يومياً.

أهم أسباب تردي الوضع المائي في حلب قبل الثورة كان الفاقد المائي المرتفع الذي تعاني منه شبكة المياه في حلب، والذي تصل نسبته ل 40 بالمئة من المياه التي يتم جرها من نهر الفرات باتجاه حلب وريفها، فتواجد عشرات آلاف العدادت غير النظامية في مناطق المخالفات السكنية في مدينة حلب، بالإضافة للسرقات المستمرة للمياه في ريف حلب من خلال تركيب “سنترفيشات” على الأنبوب الرئيسي للمياه، ومن ثم جر واستهلاك المياه بدون عدادات ولسنوات طويلة بعد رشوة مراقبي مؤسسة المياه جعلت نسبة الفاقد المائي في مؤسسه المياه مرتفعة جداً، الشبكات المهترئة زادت من نسبة الفاقد المائي أيضاً، حيث تعاني نسبة كبيرة من القساطل من أعطال وتسرب دائم للمياه، والعديد منها أصبح قبل سنوات من انطلاق الثورة غير قادر على الاستيعاب نظراً لخروجه من برنامج الصيانة منذ سنوات طويلة، وقامت مؤسسة المياه بإبرام عشرات العقود لإصلاح هذه القساطل وترميمها لكن النتائج كانت عكسية!

ففي عام 2006 أصابت تصدعات وشقوق وثقوب إحدى أقدم قنوات جر المياه الرئيسية من نهر الفرات لحلب بعد أن بلغ عمر القناة نحو خمسين عاماً، فقامت مؤسسة المياه بالتعاقد مع متعهد لإصلاح القناة وسد الثقوب وتحمل سكان حلب تقنين المياه لأكثر من شهر ونصف لكن العمل لم ينجز والمتعهد لم يلتزم بشروط العقد وقام باستجلاب عمال لا يملكون الخبرة الكافية وتمت إعادة ضخ المياه في القناة دون إصلاحها لأن الاستغناء عنها غير ممكن مهما تسببت بهدر كبير للمياه وتخلل العقد عملية فساد كبيرة تمت تغطيتها من قبل مسؤولي مؤسسة مياه حلب.

لم يقتصر الفساد على عقود صيانة الشبكات القديمة حيث طال أيضاً شبكات المياه، وحصلت فضيحة كبيرة قبل انطلاق الثورة بعام واحد عرفت باسم فضيحة مشروع تل الشعر وتادف لإرواء قرى ريف حلب الشرقي والذي بلغت كلفته 200 مليون ليرة سورية، حيث قام المتعهد بتركيب قساطل غير صالحة فنياً وقامت باستلامها لجنة استلام المواد في مؤسسة المياه رغم مخالفة تلك القساطل لشروط العقد المبرم بين الطرفين، واكتفت اللجنة بحسم 5 بالمئة من ثمنها وقامت باستلام ملحقات قساطل دون إجراء الاختبارات اللازمة لها والتغاضي عن شروط الرمل النهري المستخدم للردم في مقابل  حصول مهندسي المشروع على سيارتين ومبالغ مادية شهرية من المتعهد وقبض اللجنة لمبالغ طائلة من المتعهد مقابل التغطية على مخالفة شروط العقد.

انفجار أحد خطوط المياه في حلب

انفجار أحد خطوط المياه في حلب

من سيئ إلى أسوأ في زمن الثورة

بعد وصول الثورة لمدينة حلب، توقفت العديد من المشاريع في المدينة وريفها والتي كان قد تم البدء بدراستها أو تنفيذها، بعد أن أصبح الوضع شديد الخطورة في ظل الاشتباكات والقصف المستمر على أحياء المدينة وعلى مدن ريفها، إلا أن المعاناة الحقيقية لنقص المياه الحاد في مدينة حلب بدأت منذ 20 أيلول/سبتمبر عام 2012 ومازالت مستمرة ليومنا هذا، نتيجة استهداف دائم لمحطات الضخ وخطوط المياه الرئيسية وشبكات المياه في المحافظة بالقصف بالبراميل المتفجرة، أو قطع متعمد للمياه من محطات الضخ المتواجدة بحي سليمان الحلبي في مناطق سيطرة الثوار ويجري ذلك كله في ظل اتهامات متبادلة من قوات النظام وقوات الثوار بالمسؤولية عن عدم وصول المياه للأهالي، إلا أن عودة استجرار المياه بعد كل انقطاع يطول لأسبوعين أو أكثر كان يتم بعد اتفاق على التعاون في إصلاح الأضرار بمشاركة ووساطة جمعيات أهلية ومنظمة الهلال الأحمر السوري والإدارة العامة للخدمات في مناطق سيطرة الثوار في حلب.

إلا أن المفاوضات الناجحة التي كانت تفضي إلى اتفاق على دخول فرق الصيانة بمرافقة الهلال الأحمر إلى مبنى مؤسسة المياه ومحطة سليمان الحلبي الواقعتين على خط الجبهة قرب دوار الصاخور بحلب لم تكن حلاً كاملاً للمشكلة فغياب الكهرباء، التي تعتمد عليها محطة سليمان الحلبي بالضخ فاقم الوضع سوءاً، فمنظومة ضخ المياه في مدينة حلب تحتاج لنحو 10 ميغا واط من الكهرباء يومياً لتعمل بشكل كامل، وهذه الكمية من الاستطاعة الكهربائية غير متوفرة لمدينة حلب بكاملها منذ سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على محطة حلب الحرارية في نهاية العام قبل الماضي.

وتتواجد محطة الضخ الأكبر في مقر مؤسسة المياه الكائن في منطقة سليمان الحلبي، حيث تستهلك حوال 8 ميغا، وعندما تتواجد تغذية عامة للكهرباء فلا مشكلة في عملية الضخ، ولكن عند انقطاع الكهرباء فهناك مولدات احتياطية تعمل بعدد ساعات معينة، تعوض ساعات الانقطاع، سميت بالاحتياطية لأنها تعمل بشكل مؤقت واستمرار تشغيلها يؤدي إلى تعطلها الحتمي، في ظل ظروف صيانة شبه مستحيلة بحكم موقعها ضمن منطقة اشتباكات، علماً أن تغذية هذه المولدات الاحتياطية بالوقود يتم بجهود منظمة الهلال الأحمر.

 

دخال الهلال الاحمر للوقود لمحطة سليمان الحلبي على خط الاشتباك

دخال الهلال الاحمر للوقود لمحطة سليمان الحلبي على خط الاشتباك

بدائل لا تفي بالغرض

في ظل الانقطاع المتكرر للمياه، والمستمر لعدة أيام في مدينة حلب، والمستمر لأشهر طويلة في مدن وبلدات ريفها، قام السكان بإيجاد بدائل لتأمين المياه حيث اعتمدوا على الآبار بشكل كبير، وأصبحت الأحياء تشترك في بئر غالباً ما يتم حفره في المساجد أو الكنائس في المدينة وفي الساحات العامة في مدن الريف، حيث يشترك في كلفة حفره أغلب سكان الحي أو يتكفل في ذلك منظمات إغاثية في مناطق سيطرة الثوار، وفي أيام الشح الشديد، تنتشر طوابير الأطفال والنساء والشيوخ أمام الآبار لتعبئة أوعية صغيرة لنقل المياه لبيوتهم بها وترافق هذه العملية المشاحنات والشجارات التي تحصل بسبب فساد عناصر الشرطة التابعين لقوات النظام وتقديمهم لأصدقائهم على باقي السكان في تعبئة المياه، أما مسؤولو النظام السوري فتصلهم صهاريج المياه إلى خزانات منازلهم، وتسبب شح المياه بجعلها تجارة رائجة حيث يصل سعر المتر المكعب (خمسة براميل) الى 5000 ليرة سورية وهذه الأسعار ترتفع أو تنخفض حسب ظروف توفر المياه وطول فترات انقطاعها في حلب أما في الريف فيبلغ سعر المتر المكعب نحو 2000 ليرة سورية، وإن كانت هذه المياه غير صالحة للشرب بسبب عدم تعقيمها واحتوائها العديد من الشوارد مما أدى إلى الإصابة بالعديد من الأمراض كالليشمانيا وغيرها.
maxresdefault (1)

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى