الرئيسية / تحقيقات / تجربة العبور إلى تركيا: ثلاث حكايات – فريق الغربال
تجربة العبور إلى تركيا: ثلاث حكايات – فريق الغربال

تجربة العبور إلى تركيا: ثلاث حكايات – فريق الغربال

العبور إلى تركيا من مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية.

الشاهد: سامر السلوم

انطلقنا من منبج في السابعة صباحاً متجهين شمالاً عبر طريق الغندورة المستخدم في التهريب، مروراً بعدد من القرى الحدودية، وصلنا بعد ساعة وربع إلى منطقة “عياشة باب ليمون” التي تعتبر منفذ تهريب إلى تركيا لجميع القادمين من ريف حلب الشرقي والرقة ودير الزور، كان الطريق جيداً ومعبداً، وعند وصولنا أخذنا سائق التكسي إلى منزل أحد سكان المنطقة الذي يعمل مهرباً، وكان عنده ركاب وصلوا قبلنا. نزلنا من التكسي وركبنا بسيارة فان مغلقة بدون مقاعد تستخدم في التهريب، وانطلق بنا المهرب إلى أحد النقاط الحدودية المستخدمة في العبور إلى تركيا وفي الطريق أخبره أحد أصدقائه أن أحد أمراء تنظيم الدولة الإسلامية يقوم بجولة على الحدود ويلاحق المهربين، فغير مهربنا طريقه واتجه بنا إلى أرض زراعية فيها خيمة كبيرة، نزلنا من السيارة واختبأنا في الخيمة، وكنا نراقب السيارتين التابعتين للتنظيم وهما تقومان بجولة على الحدود، وبعد نحو نصف ساعة ابتعدت السيارتين فاتجه بنا المهرب نحو الحدود وأنزلنا في منطقة قريبة من سكة القطار في منطقة باب ليمون.

كان هناك مهرب شاب من أهالي المنطقة ينتظرنا، ومعه بعض الحمالين الذين يعملون في نقل البضائع، بدأ المهرب بالركض أمامنا وتبعناه ركضاً نحو 500 متر حتى وصلنا إلى سكة القطار، وكان الطريق مرسوماً والمهرب حريص على أن نمشي في الطريق المحدد كون المنطقة مليئة بالألغام كما قال. بعد سكة القطار ركضنا نحو 500 متر أخرى حتى وصلنا إلى الساتر الترابي، فصعدنا فوق الساتر الذي يليه خندق بعمق نحو 3 أمتار، ولم نستطع العبور بسبب وجود دورية تركية ومركبة عسكرية يدعوها أهل المنطقة بالعقربة، نزلنا عن الساتر واختبأنا خلفه نحو نص ساعة لم يغادر الجنود الأتراك، فغيرنا نقطة العبور أربع مرات في محاولة للعبور بعيداً عن أعين الجنود دون جدوى.

بعد ساعتين من الانتظار في الحر الشديد ومعنا أطفال ونساء وشيوخ قرر المهرب المغامرة والعبور بالقرب من مكان وجود الجنود، قائلاً: بس ندخل حقول الذرة خلف الخندق مباشرة الكل بيركض ومحدا بطلع وراه، وسرعان ما بدأنا بالركض بين حقول الذرة الصفراء التي ترتفع نحو مترين ونصف، ركضنا وركضنا وبدأت الدماء تنزف من وجوهنا وسواعدنا نتيجة احتكاكها بأوراق الذرة اليابسة.

كان مصابي بسيطاً بالمقارنة بغيري فأمامي كان الحمالون يركضون وعلى ظهورهم حقائب كبيرة، إلى جانب النساء اللواتي يحملهن أطفالهن.

بعد ركض استمرّ لأكثر من نصف ساعة وصلت أنا والمهرب ومعنا شابين من الحمالين وشاب من المسافرين إلى حافة طريق، كان وضعنا مزرياً. انتظرنا خمس دقائق ولم يصل سوى رجل وامرأة من الذين ركضوا معنا، والذين يبلغ عددهم نحو 15 شخصاً، وعند السؤال عن البقية كان جواب المهرب: هيا اركبوا في السيارة فالبقية أمسكتهم الجندرما وأعادتهم إلى الساتر، وسيصلون في الدفعة التانية، كان من بين الذين لم يصلوا زوجة الرجل الذي وصل معي وابنه، ووقف الرجل حائراً ومنتظراً فيما صعدنا بالسيارة التي أقلتنا إلى كراج “علي منطار” وهي بلدة تركية صغيرة!

IMG_2048

العبور إلى تركيا من معبر باب الهوى.

الشاهد: محمد المحمود

في منتصف آب الماضي توجّهت بصحبة عائلتي إلى معبر باب الهوى قاصدين تركيا، كنت مرتاحاً هذه المرة فالجميع يمتلكون جوازات سفر ولن نضطر للسير مسافات طويلة أو الخضوع لابتزاز المهربين. قبل المعبر توقفت السيارة في الكراج الذي أعدّه الفصيل المسيطر على المعبر على عجل، لنصدم بالعدد الكبير من الناس الموجودين في المعبر، علمنا حينها أن الجانب التركي قد قرّر إغلاق المعبر بسبب الازدحام في داخله منذ العاشرة صباحاً، أي بعد ساعة واحدة من العمل.

في الكراج كان ثمة مكان صغير تمّ إعداده ليكون ساحة انتظار للناس في انتظار الباصات الخاصة التي تنقل المسافرين إلى البوابة الأولى.

حاول عناصر الفصيل المسيطر على المعبر صناعة مظلّة بوضع بعض أكياس البلاستيك على الشبك الحديدي الذي يشكل سقف فسحة الانتظار، ولكن الظلّ المتشكّل كان دون فائدة، فهو مجرد بقع صغيرة متفرقة هنا وهناك.

بدأ عدد المسافرين بالازدياد، وشيئاً فشيئاً تكدّسنا فوق بعضنا البعض رجالاً ونساء وأطفالاً، وبدا واضحاً عجز عناصر التنظيم عن التعامل مع مثل هذه الحالات، ووقوفهم مكتوفي الأيدي أمام الازدحام الكبير والاستمرار في تدفّق مسافرين جدد قدم بعضهم من حمص وحماه ومناطق أخرى بعيدة.

فقد بعض الأطفال وعيهم نتيجة الحر الشديد، وحاول بعضهم تمديد أطفالهم على الأرض ومسح وجوههم بالماء لعلهم يستردون بعض النشاط، أو يخفّفون من حرارتهم.

استمر انتظارنا ساعات طويلة وطبخت الشمس رؤوسنا بحرها الشديد جداً، وزادت معاناة المرضى المنتظرين وصولهم إلى تركيا لمتابعة علاجهم أو الحصول على فحوصات طبية.

بعض عناصر التنظيم لم يملكوا إلا الصراخ في وجه الفوضى الكبيرة الحاصلة، ووصل الأمر ببعضهم للتهديد بإطلاق النار في الهواء لفرض النظام في مكان يعج بالأطفال الساخطين!

قاربت الساعة على الرابعة ولم يصل أي خبر عن نية الجانب التركي معاودة افتتاح المعبر، وفي نهاية المطاف عدنا أدراجنا مع غيرنا من المسافرين، فيما نجح البعض بالوصول إلى البوابة الأخيرة على الجانب السوري مستغلين معرفتهم لبعض العناصر الموجودة في المعبر، فيما توجّه البعض إلى المهربين، والبعض الآخر توجه إلى معبر باب السلامة في حلب.

في اليوم التالي أعدنا الرحلة مجدداً لننجح أخيراً في الوصول إلى تركيا، الوصول الذي ظنناه سهلاً نظرا لامتلاكنا جوازات سفر نظامية!

20140814_120021


العبور إلى تركيا من المناطق ذات الغالبية الكردية في الجزيرة.

الشاهد: جيان حاج يوسف

وصلنا إلى المعبر وبدأت عملية التفاوض مع المهرب الذي سيقوم بإدخالنا إلى تركيا كوننا لا نملك جوازات سفر، وخلال عملية التفاوض بدأ إطلاق النار على المعبر ليتضح فيما بعد أنه ناتج عن تنازع الكتائب المسيطرة على المعبر على عائداته المالية! الأمر الذي دفع بالسلطات التركية إلى إقفال المعبر بشكل تام فعدنا إلى ديارنا لعامودا التي لا تبعد عن الحدود أكثر من 5 كم، وفي اليوم التالي اقترح المهرب الجديد أن يعبر بنا الأسلاك الشائكة وحقل الألغام، التي زرع بدلاً منها الأتراك ورداً!

بدأت الرحلة في عتمة الليل بعد تقسيمنا لثلاث مجموعات بحسب المبلغ المدفوع، الأولى وهي التي دفعت أكثر ستسلك طريق “الدستور” التي يتم فيها أخذ إذن مسبق من الضابط والعسكري التركي وهو طريقنا الذي اخترناه لسهولته وأمانه، والطريق الثاني وهو طريق التسليم ويتم تسليم المسافرين للعساكر على أن يطلق سراحهم بعد التحقيق ووجود كفيل تركي! أما الطريق الثالثة فتدعى “أنت وحظك” وهي تعتمد على المغامرة والتي لا يمكن تخمين نتائجها إلا إذا جربتها!

أنزل المهرّب السلك الشائك بدعسة من رجله وتبعناه حتى تقدمنا نحو السلك الثاني للحدود وعبرناه بسلام وقابلنا سياج شائك فأشهر أحد معاوني المهرب مقصاً لقص الأسلاك ولم يكتمل القص حتى بدا ضوء سيارة حرس الحدود التركية وصوت صفارة الإنذار باختراق عتمة المكان وبدأ إطلاق النار من قبل الحرس وأصوات تنادينا بالرجوع أو هذه ما خمناه، وهكذا عدنا أدراجنا ركضاً إلى نقطة انطلاقنا ومنها إلى بيوتنا، لنفشل لليوم الثاني على التوالي في العبور!

في اليوم الثالث أخبرنا أحد الأشخاص عن طريق جديد للتهريب تم إنشاؤه حديثاً على نهر دجلة في أقصى الحدود الشمالية الشرقية، حيث سمحت السلطات المحلية هناك بتسفير الناس لتركيا مقابل رسم 50 دولار عن الشخص الواحد، فيما يقبض المهرب 200 دولار، وأكد لنا المهرب الذي اتصلنا به أنه سيعبر بنا الحدود مع بزوغ الفجر!

بعد وصلنا إلى نقطة العبور أخبرنا المهرب أبو حجي أن الطريق غير سالك نتيجة الفوضى التي أحدثها نزوح آلاف العائلات الأزيدية من كردستان بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة هناك، ووعدنا انه سيعبر بنا نهاراً!

أثناء انتظارنا وصلت مجموعة أخرى من العابرين، كان بينهم بعض من الذين كانوا معنا عندما قررنا العبور ليلاً وعدنا، وكانت بادية على وجوههم آثار ضرب وتعذيب تعرضوا لها من قبل الجنود الأتراك بعد محاولتهم العبور مجدداً في تلك الليلة!

بعد انتظار طويل حان الوقت المنتظر فنزلنا إلى النهر لنستقل قارباً مطاطياً نقلنا على دفعات، كان الركوب فيه مع المياه المندفعة بشدة خطراً جداً، وعندما وصلنا إلى الضفة الأخرى أخبرى القائد بضرورة الانتظار بين الأشجار حتى حلول الظلام وبعد ذلك نتحرك في حقل الذرة حتى نصل إلى الاستراحة!

كانت ساعات انتظار الظلام ثقيلة جداً، خاصة مع أعداد البعوض الهائلة التي لسعت كل جزء مكشوف من أجسادنا!

وأخيرنا تحركنا ليفاجئنا الجنود الأتراك من كل الجهات وقد أمرونا بالجلوس على الارض ثم وجهوا لنا بعض الأسئلة عن مكان قدومنا ووجهتنا وفيما إذا كنا نحمل أسلحة، ثم تمّ اقتيادنا بالزيل العسكري إلى المخفر بعد تفتيشنا بشكل دقيق ومصادرة موبيلاتنا وعلب الدخان والمتعلقات الشخصية.

وقضينا ليلتنا في المخفر، وسط معاملة سيئة من قبل الجنود الأتراك وإهمال متعمّد لكل طلباتنا

ثم تمّ نقلنا بسيارات إلى المكتب الأمني في جزيرة بوطان الذي أخذ لنا صوراً أمامية وجانبية ونحن نمسك بأرقام خاصة بكل منا! ثمّ تمّ أخد بصماتنا الإلكترونية وتمّ التحقيق معنا بشكل منفرد من قبل الأمن التركي وأخيراً أطلق سراحنا بعض تزويدنا بورقة فيها بياناتا الشخصية باللغة التركية.

geraphian20121203165607913 (2)

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى