الرئيسية / تحقيقات / الهجرة عبر البحر مغامرة تحدي الموت بحثاً عن الحياة – رامي سويد
الهجرة عبر البحر مغامرة تحدي الموت بحثاً عن الحياة – رامي سويد

الهجرة عبر البحر مغامرة تحدي الموت بحثاً عن الحياة – رامي سويد

يخوض آلاف السوريين شهرياً البحر، باحثين عن حياة أفضل في دول الاتحاد الأوربي التي عُرف عنها أنها تمنح حق اللجوء الإنساني والسياسي للهاربين من جحيم الحرب في بلادهم, ينطلق هؤلاء بمراكب بالية، متحدين الموت، عبر البحر المتوسط، انطلاقاً من تركيا ومصر وليبيا باتجاه اليونان أو إيطاليا كمحطة أولى قبل الوصول إلى ألمانيا أو السويد أو هولندا أو غيرها من الدول التي تستقبل اللاجئين السوريين وتمنحهم السكن والبدلات النقدية الشهرية التي تعينهم على بدء حياتهم في بلادهم الجديدة.

الطريق إلى المغامرة

يتوجه السوريون الذين يقررون خوض البحر إلى سواحل الدول التي تنشط بها مافيات تهريب البشر، وهي على وجه الخصوص تركيا وليبيا ومصر، حيث ينتقل السوريون الراغبون في الهجرة إلى أوربا عبر اليونان نحو تركيا وتحديداً نحو مدينة أزمير التركية التي تنشط بها مافيات تعمل على نقل السوريين باتجاه الجزر اليونانية ومنها إلى أثينا العاصمة حيث تنشط مافيات لتهريب السوريين إلى دول أوربا التي تمنح اللجوء للسوريين، أما السوريون الراغبون بالهجرة نحو أوربا عبر إيطاليا، فهم ينقسمون إلى قسمين؛ قسم يتّجه نحو مدينة الإسكندرية المصرية، التي تنشط بها مافيات التهريب ليخوض منها مغامرة ركوب البحر إلى إيطاليا، وقسم أخر يفضل الذهاب إلى سواحل ليبيا ليركب البحر من هناك أملاً في الوصول إلى الجزر الإيطالية.

الوصول إلى تركيا كخطوة أولى لخوض مغامرة الذهاب عبر البحر إلى اليونان هو الأسهل، حيث يمكن للسوري الدخول للأراضي التركية إذا كان في الشمال السوري عبر المعابر الرسمية بدون تأشيرة في حال كان يملك جواز سفر، أو عبر طرق التهريب البري بين سوريا وتركيا في حال عدم امتلاكه لجواز سفر، كما يمكن لحامل جواز السفر السوري دخول الأراضي التركية قادماً من أي بلد في العالم وبدون تأشيرة مسبقة.

لكن معظم السوريين الراغبين في الهجرة إلى أوربا لا يفضلون الهجرة عبر تركيا، ذلك أن اليونان، البلد الذي يقصده المهاجرون عبر تركيا، قد شدّد مؤخراً بشكل غير مسبوق مراقبته الأمنية على حركة السوريين، الأمر الذي جعل الراغبين بالهجرة إلى أوربا، يفضّلون إيطاليا، الأكثر تساهلاً مع المهاجرين، ولو كلّفهم ذلك مشقّة أكبر في الوصول إلى مصر أو ليبيا، وخطورة أكبر بسبب قطعهم لمسافة طويلة عبر البحر المتوسط وصولاً إلى إيطاليا، بالمقارنة مع المسافة القصيرة نسبياً التي يقطعها المهاجرون عبر البحر المتوسط للوصول إلى اليونان من مدينة أزمير التركية.

“أحمد خلاوي” الشاب السوري الذي قرّر الهجرة إلى أوربا عبر ليبيا، يوضح الصعوبات التي يعاني منها السوريون للوصول إلى ليبيا بهدف خوض مغامرة ركوب البحر نحو إيطاليا قائلاً: ليس من السهل على حامل جواز السفر السوري دخول ليبيا، لقد أوقفت الحكومة الليبية منح التأشيرات المسبقة للسوريين منذ أشهر، المهاجرون السوريون الذين خاضوا أو يستعدون لخوض مغامرة ركوب البحر إلى ايطاليا ينقسمون إلى قسمين؛ القسم الأول هم السوريون المقيمون في مصر منذ مدة طويلة أو الذين تمكنوا من الدخول إلى مصر، هؤلاء يتوجهون في العادة إلى مدينة مرسى مطروح في أقصى شرق مصر، ليطلبوا من مافيات التهريب نقلهم عبر الحدود المصرية نحو مدينة البيضاء الليبية، القسم الثاني هم السوريون الموجودون في بقية دول العالم، وهؤلاء عليهم الذهاب إلى الجزائر، التي تمنح تأشيرات الدخول للسوريين بسهولة نسبياً، ومنها عليهم العبور بمساعدة مافيات التهريب نحو تونس ومن ثم ليبيا.

عبور الحدود الليبية

عبور الحدود الليبية

رحلة تحدي الموت

بعد أن يصل السوريون إلى المدن الساحلية التي يعتزمون خوض البحر منها أملاً في الوصول لأوربا، يبدؤون في العادة عملية البحث عن المهرب الذي يقدم العرض الأفضل، وتختلف العروض بحسب البدل النقدي الذي يطلبه المهرب للنقل عبر البحر، وبحسب عدد الركاب الذين يعتزم حشرهم في ذلك المركب المتهالك، ويروي وائل عبد العزيز أحد شبان مدينة داريا الذين خاضوا التجربة في مدينة الإسكندرية للغربال كيف كانت عملية البحث عن عرض أفضل لخوض مغامرة ركوب البحر، وكيف كانت الرحلة قائلاً: قررت خوض البحر مع والديّ وأختي وابنها الصغير، بدأت بالاتصال بالسماسرة الذين يعملون لصالح مافيا تهريب البشر من الإسكندرية لإيطاليا، في النهاية فهمت أن زعيم هذه المافيا في مصر يُكنى بـ”الدكتور” وهو يريد 1800 دولار أمريكي عن الشخص الواحد، ما يزيد عن هذا المبلغ يتقاسمه السماسرة، الذين يقبضون مبالغ ربما تصل إلى 3000 دولار أمريكي عن الشخص الواحد، في النهاية تمكنت من الاتفاق مع أحد السماسرة على مبلغ 2000 دولار عن كل شخص من العائلة مع شرط أن يركب الأطفال الذين لم يبلغوا عشر سنوات من العمر مجاناً.

ثم يكمل وائل حديثه في وصف المغامرة قائلاً: عليك أن تتواجد فجراً في النقطة التي يحددها السمسار لك على الشاطئ، يجب أن تصطحب معك كميات من الطعام والماء، كما يجب أن تصطحب حليباً للأطفال وفوطاً لهم بحيث تكفيك لمدة تتراوح بين ستة أيام وثلاثة عشر يوماً يُتوقع أن تستغرقها المغامرة من الإسكندرية وصولاً لإيطاليا، بعد أن وصلنا إلى الشاطئ، قام شبان مصريون باصطحابنا بمركب صيد صغير يتسع حوالي عشرة أشخاص، قام هذا المركب بنقلنا إلى عرض البحر على بعد كيلومتر تقريباً من الشاطئ، ثم تم نقلنا إلى مركب صيد أكبر، طوله 16 متراً تقريباً، تم وضع أكثر من 300 شخص به! سار بنا هذا المركب حوالي أربعة وعشرين ساعة حتى وصلنا خارج المياه الإقليمية المصرية، هناك كان ينتظرنا مركب كبير مصنوع من الحديد يقال له “الببور” يبلغ طوله حوالي 24 متراً، تم حشر أكثر من 400 شخص فيه، ليسير بنا “الببور” بعدها عبر عتمة البحر، جاراً خلفه مركباً خشبياً متهالكاً، حتى وصل بنا بعد خمسة أيام إلى الطريق البحرية التجارية شمال البحر الأبيض المتوسط وهي الطريق التي تسلكها السفن البحرية التجارية التي تعبر المتوسط، تم بعدها نقلنا من جديد إلى المركب الخشبي المتهالك وتُركنا به، ليعود المهربون بالببور إلى مصر ونبقى نحن ننتظر وسط البحر مرور سفينة تجارية أو بارجة لتقوم بإنقاذنا!

عملية النقل من مركب لآخر هي من أصعب ما يواجه المهاجرين عبر البحر بحسب وائل، فنقل المهاجرين يتم عن طريق رميهم من قبل شخصين من المهربين، يقومان بالإمساك بالمهاجر ورميه بقوة إلى المركب الآخر، الأمر الذي قد يؤدي لسقوطه في الماء في حال كان البحر هائجاً بسبب عدم استقرار المركبين حينها، حينها لن يفكر أحد بمساعدته لإخراجه من الماء، وربما يرتطم رأسه أثناء السقوط بأحد المركبين، كما يمكن أن يعلق بين المركبين اللذين قد يضغطا عليه بحيث يتوفى على الفور، دون أن يتوقف المهربون عن رمي بقية المسافرين ولو للحظة، فالمهاجر عبر هذه المراكب هو بالنسبة للمهربين مجرد سلعة لا أكثر!

يُكمل وائل: بعد أن تم نقلنا إلى المركب الخشبي المتهالك، ومشى المركب بنا، اكتشفنا أن المياه تتسرب إلى داخله، بعد ثلاثة أيام انتهى الوقود من المركب فأصبح غير قادر على الحركة إلا وفق تقلبات الأمواج، نفدت أيضاً مياه الشرب والطعام، وحلّ الليل، وبدا لنا أن كل شيء قد انتهى!

اللاجئون بانتظار انقاذهم - وائل عبد العزيز

اللاجئون بانتظار انقاذهم – وائل عبد العزيز

الحياة بعد الموت

بعد أن يصل المهاجرون بمركبهم المتهالك إلى الطريق البحرية التجارية، يسير المركب بهم وفق إحداثيات “GPS” تم منحها لربان المركب، حتى ينتهي الوقود، ليبقى المركب مراوحاً وسط البحر بانتظار سفينة تجارية تقوم بإنقاذه وفق العرف الملزم في البحار، الذي يُلزم السفينة في البحر بإنقاذ ركاب أية سفينة تصادفها في حال كانت بحالة نفاذ للوقود أو على وشك الغرق.

لقد استفادت مافيات التهريب المصرية والليبية والإيطالية من هذا العرف البحري، فغيرت طريقة عملها السابقة التي كانت تتضمن نقل المهاجرين من مصر أو ليبيا إلى المياه الإقليمية الإيطالية لتقوم المافيات الإيطالية باستقبالهم بمراكب كبيرة وإنزالهم إلى السواحل الإيطالية، فأصبحت المافيا المصرية والليبية تكتفي بإيصال المركب إلى الطريق البحرية التجارية التي تعبر المتوسط، اعتماداً على التزام السفن المارة في هذه الطريق بإنقاذ أية سفينة توشك على الغرق، وهو حال جميع السفن التي يُترك بها المهاجرون، والتي يتم إنقاذ بعضها، في مقابل غرق بعضها الآخر.

عن عملية الإنقاذ يتحدث وائل قائلاً: بعد يوم واحد من مراوحتنا وسط البحر على الطريق البحرية التجارية وسط البحر المتوسط، نظرنا عبر جهاز تحديد الموقع على الخرائط “GPS” فاكتشفنا أننا نبعد عن أقرب جزيرة إيطالية مالا يقل عن 600 ميل بحري “حوالي 400 كم” فجأة ظهرت بارجة كبيرة من بعيد تقترب تجاهنا، تبين عندما اقتربت أنها ناقلة نفط مرفوع عليها علم “بريطانيا”، عند اقترابها قمنا بالتحدث مع الطاقم، وأخبرناهم أننا سوريون نحاول الوصول لإيطاليا وأننا بحاجة للطعام والماء، بعد أن اتصل الربان بمالك ناقلة النفط، وافق على صعود النساء والأطفال إليها، ثم وافق بعد ساعات على صعود الرجال أيضا نظراً لارتفاع مستوى الموج في البحر، بقينا في ناقلة النفط البريطانية ثلاثة أيام، تمت معاملتنا خلالها معاملة جيدة جداً، حيث قدّم لنا طاقم الناقلة غرف المنامة والحمامات والدواء والطعام والشراب. وأثناء وجودنا على الناقلة، وصلت رسالة إلكترونية من صاحب الناقلة إلى الربان، أخبره فيها أن أي ضرر يلحق بأحد اللاجئين السوريين سيؤدي إلى فصل طاقم الناقلة كاملاً من العمل!

يتابع وائل وصفه لعملية إنقاذهم قائلاً: عندما وصلت ناقلة النفط التي كانت تحملنا إلى المياه الإقليمية الإيطالية، وصل طرّادان للصليب الأحمر الإيطالي وخفر السواحل الإيطالي، قاموا بإنزالنا من ناقلة النفط وإيصالنا إلى جزيرة “كروتوني” الإيطالية ليتم استقبالنا في مخيم هناك تلقينا فيه معاملة جيدة أيضاً.

اللاجئون بعد انقاذهم من قبل الصليب الأحمر - وائل عبد العزيز

اللاجئون بعد انقاذهم – وائل عبد العزيز

طرق أخرى لتحدي الموت

السوريون الذين يقررون الهجرة عبر اليونان إلى باقي الدول الأوربية، وهي طريق الهجرة الأصعب، يخوضون البحر لمسافة قصيرة نسبياً من مدينة أزمير التركية نحو الجزر اليونانية كجزيرة كيوس وجزيرة ساموس، حيث يركب السوريون في هذه الرحلة ما يسمى بـ”البلم” وهو قارب مطاطي منفوخ، طوله حوالي ثمانية أمتار، ويتم وضع حوالي 40 شخصا به، وتستغرق رحلته من أزمير إلى اليونان نصف ساعة فقط في حال كان خفر السواحل اليوناني غير موجود، أو في حال كانت الرحلة ميسرة بسبب فوضى الشواطئ اليونانية في موسم السياحة الشاطئية في الصيف، في مقابل عشر ساعات قدي يقضيها “البلم” حتى يصل إلى اليونان في حال كانت دوريات خفر السواحل اليونانية في حالة استنفار.

أما السوريون الذين يقررون خوض البحر من ليبيا إلى إيطاليا، فهم في الغالب يركبون مع المهاجرين الأفارقة، بمراكب صيد بالية ومعرضة بشكل كبير للغرق، ذلك أن قصر المسافة نسبياً بين ليبيا وإيطاليا يجعل مافيات التهريب لا تكترث كثير بجودة القارب، فالرحلة بين ليبيا وإيطاليا تتراوح مدتها بين 14 و30 ساعة على أكثر تقدير.

الانطلاق من ليبيا بالقوارب الصغيرة

الانطلاق من ليبيا بالقوارب الصغيرة

الموت في البحر بدون غرق!

لا تقتصر احتمالات الموت أثناء رحلة الهجرة عبر البحر على الغرق، الذي يحاول أغلب المهاجرين التحرز منه باختيار سمسار تهريب مُجرّب من أحد الأقارب أو الأصدقاء الذين وصلوا بسلام من قبل بسبب قيامه بنقلهم بقارب جيد نسبياً، أو عن طريق لبس سترة السلامة، وهي سترة مملوءة بالهواء الذي يحمي من يقع بالمياه من الغرق لمدة طويلة.

في الواقع يفقد كثير من المهاجرين حياتهم على قوارب الهجرة نتيجة عمليات قتل تنتج عن مشاجرات دائماً ما تندلع على قوارب الهجرة لأسباب تافهة كسرقة أحد المهاجرين للطعام أو الماء من لاجئ أخر أو بسبب عم اتساع المكان للنوم!

أيضاً، كثيراً ما يفقد اللاجئون الأفارقة حياتهم، وسط البحر بسبب الاختناق، ذلك أن مافيات التهريب تعمد إلى وضعهم في غرفة المحرك خوفاً من أن يؤثّر لون بشرتهم السوداء على عملية الإنقاذ، ذلك أن سفن خفر السواحل الإيطالية لا تكترث كثيراً بإنقاذ أصحاب البشرة السوداء لأسباب عنصرية كما يذكر البعض، وقد يؤدي وضع المهاجرين الأفارقة في غرفة المحرك إلى اختناقهم بسبب الدخان الناتج عن احتراق وقود المحرك.

إحصائيات الموت

أعلن مسؤولو المنظمة الدولية للهجرة، التي تتخذ من مدينة جينيف السويسرية مقراً لها، أن عدد من غرقوا في البحر الأبيض المتوسط منذ بداية العام الحالي حتى منتصف شهر أيلول بلغ 2900 مهاجراً، معظم هؤلاء الضحايا من السوريين، الذين باتوا في العام الأخير الغالبية العظمى للمهاجرين عبر البحر المتوسط نحو أوربا.

وأعلنت المنظمة أن آخر حالات الغرق الكبيرة، كانت غرق مركب يحمل حوالي 500 مهاجراً بالقرب من سواحل جزيرة مالطا في الأسبوع الثاني من شهر أيلول، وأعلنت المنظمة أن الغارقين هم من السوريين والفلسطينيين والمصريين والسودانيين، وكانوا قد انطلقوا بقاربهم في بداية أيلول من سواحل مدينة دمياط المصرية، وسبق غرق هذا القارب، بيوم واحد فقط، غرق قارب آخر خرج من ليبيا، كان يحمل 250 مهاجراً، لم ينجو منهم سوى 26 مهاجراً فقط تمكن خفر السواحل الإيطالي من إنقاذهم!

ولا توجد في الواقع إحصائيات لعدد اللاجئين الذين تم إنقاذهم في البحر المتوسط وهم يحاولون الوصول إلى إيطاليا، لكن ولاية “إزمير” التركية أصدرت بياناً في الرابع والعشرين من شهر إيلول الماضي قالت فيه إن خفر السواحل التركي، تمكن منذ بداية العام الحالي من إنقاذ ثمانية ألاف ومئة وسبعة مهاجرين غير شرعيين، سقطوا في بحر “إيجه” نتيجة محاولتهم العبور عبر قوارب صغيرة، خشبية أو مطاطية “بلم”، أثناء محاولتهم العبور إلى اليونان، ومعظم هؤلاء كانوا من السوريين.

مئات القتلى غرقا على السواحل الإيطالية

مئات القتلى غرقا على السواحل الإيطالية

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى