الرئيسية / تعرف على سوريا / الذاكرة السياسية / ضريح “سليمان شاه”.. قصة سلطة تركية على أرض سورية – رامي سويد
ضريح “سليمان شاه”..  قصة سلطة تركية على أرض سورية – رامي سويد

ضريح “سليمان شاه”.. قصة سلطة تركية على أرض سورية – رامي سويد

تنتشر كل فترة أخبار عن اعتداء عناصر تنظيم الدولة الإسلامية على ضريح “سليمان شاه” الموجود على شبه جزيرة صغيرة إلى الشمال من جسر قره قوزاق الواقع على نهر الفرات إلى الشرق من مدينة منبج في ريف حلب الشرقي، ويحظى الضريح بأهمية خاصة لدى الحكومة التركية التي أعلنت غير مرة أنها لن تتردد في الدفاع عن الضريح خصوصاً بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المنطقة في شهر شباط الماضي.

والضريح هو لسليمان ابن “قتلمش”، وهو والد “أرضغل” الذي أسس أبنه عثمان الأول الدولة العثمانية عام 1299 للميلاد، وترجّح أغلب المصادر التاريخية وفاة سليمان بن قتلمش، جدّ مؤسّس الدولة العثمانية، إثر حادثة غرق تعرّض لها أثناء معركة كانت تخوضها قبيلته القادمة من وسط أسيا ضد قوات من “المغول” كانت تغزو المنطقة عام 1227 للميلاد.

أُقيم ضريح سليمان شاه قرب قلعة جعبر الواقعة إلى الشمال من مدينة الطبقة قرب نهر الفرات في منتصف القرن السادس عشر بعد سيطرة الجيش العثماني على المنطقة، وبقي مزاراً يزوره أحفاد العثمانيين حتى عُرف في المنطقة باسم “الضريح التركي”.

المقام قبل تحويله من مكانه القديم

المقام قبل تحويله من مكانه القديم

بعد خسارة الدولة العثمانية مع حليفتها ألمانيا للحرب العالمية الأولى عام 1918 قامت الدول المنتصرة في الحرب، فرنسا وبريطانيا، بتطبيق اتفاقية سايكس-بيكو على أراضي الدولة العثمانية بما يؤدي لاقتسام هاتين الدولتين للمناطق العربية التي كانت تخضع للحكم العثماني.

نتج عن الاتفاقية وقوع الضريح في الأراضي التي عرفت فيما بعد باسم الجمهورية السورية والتي خضعت للانتداب الفرنسي، وفي الوقت نفسه كانت الجيوش الفرنسية تسيطر على مناطق في أزمير وساحل كليكيا، واندلعت ثورة ضد السلطنة العثمانية قادها مصطفى كمال، الذي تعاون مع مناهضي الانتداب الفرنسي في سوريا.

ليدفع ذلك كله كلاً من السلطنة العثمانية والحكومة الفرنسية لتوقيع اتفاقية عام 1921 عرفت فيما بعد باتفاقية حسن الجوار بين الحكومة الفرنسية المنتدبة عن سوريا والسلطنة العثمانية، التي تضمّنت وقف الحرب والاعتداءات المتبادلة بين الطرفين، وتعديل الحدود لتصبح مطابقة لمسار الخط الحديدي “برلين-بغداد” الذي يمر من شمال مدينة حلب وصولاً إلى القامشلي أقصى شرق سوريا، والتي أصبحت إلى اليوم الحدود الدولية بين سوريا وتركيا.

أدى ذلك إلى اقتطاع عدة أقضية ومناطق كانت تابعة في الفترة السابقة لولاية حلب كمناطق “أضنة وعثمانية ومرعش وعينتاب وكلّس وأورفا وماردين” في مقابل إيقاف السلطنة العثمانية لدعمها للقوى المناهضة للانتداب الفرنسي شمال سوريا واعترافها بانتداب فرنسا على سوريا.

تضمّنت الاتفاقية المذكورة إلى جانب ذلك، نصّاً خاصاً بضريح “سليمان شاه” حيث نصّت المادة التاسعة من الاتفاقية على ما يلي:

“إنّ قبر سليمان شاه جدّ السلطان عثمان مؤسّس السلالة العثمانية (المعروف باسم “المزار التركي”) والواقع عند قلعة جعبر سوف يبقى مع ملحقاته بملكية تركيا التي بإمكانها أن تعيّن له حرّاساً وأن ترفع العلم التركي فيه”.

منذ ذلك الوقت اصبح الضريح أرضا تخضع للسيادة التركية، ويخضع لحماية حامية من الجيش التركي ويرفع العلم التركي عليه.

لكن الحكومة السورية قررت عام 1968 بناء سد الفرات في منطقة الطبقة في ريف مدينة الرقة، وبينت الدراسات حينها أن المياه التي سوف يحتجزها السد ستؤدي إلى إغراق أجزاء من قلعة جعبر الأثرية وضريح سليمان شاه جد مؤسس الدولة العثمانية.

لتجري بعد ذلك مفاوضات بين الحكومة السورية والحكومة التركية، التي أصرت وقتها على نقل الضريح إلى مكان آخر داخل الأراضي السورية لتحتفظ بسلطتها على جزء من الأرض السورية وفق ما أقرته الاتفاقية التي وقعتها مع الحكومة الفرنسية المنتدبة عن سوريا عام 1921.

انتهت المفاوضات إلى قبول الحكومة السورية، تحت ضغط مفاوضات اقتسام مياه نهر الفرات، بطلب الحكومة التركية نقل الضريح إلى تلة مرتفعة في منطقة تعرف باسم “قره قوزاق”، حوالي 30 كم إلى الشرق من مدينة منبج، حيث تم إنشاء بناء ضخم وضع ضريح سليمان شاه داخله، وكُلّفت حامية عسكرية تركية صغيرة مؤلفة من عشرات من الجنود الاتراك بحماية المبنى الذي رفع العلم التركي عليه.

الضريح في مكانه الحالي من الداخل

الضريح في مكانه الحالي من الداخل

اعتاد الجيش التركي على تبديل عناصر الحامية المكلفة بحماية الضريح كل شهرين أو ثلاثة أشهر خلال السنوات الأربعين الماضية، قبل أن تندلع الثورة في سوريا وتفقد الحكومة السورية السيطرة على المنطقة، لتسيطر عليها قوات تنظيم الدولة الإسلامية مؤخراً، وتبدأ الحكومة التركية بمواجهة الصعوبات في تبديل الحامية المكلفة بحماية الضريح، حيث قام الجيش التركي بتبديل الحامية وإيصال المؤن لها لآخر مرة بتاريخ 26\4\2014 حين دخلت قوة عسكرية تركية مؤلفة من ما يقارب 300 جندي تركي محمولين على 12 آلية عسكرية وستّ دبابات وعدة سيارات أخرى إلى الأراضي السورية عبر منطقة عين العرب التي يسيطر عليها حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ثم توجه الرتل نحو قرية زور مغار آخر القرى التي يسيطر عليها الحزب ليدخل بعدها منطقة الشيوخ التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، لترافقه قوة رمزية من قوات التنظيم حتى وصل الرتل للضريح وقام بإنزال المؤن التي كان يحملها وتبديل الحامية والتي يقدّر عددها بخمسة وعشرين جندياً وضابطا تركياً.

وفي أواخر شهر شباط عام 2015 نجحت القوات التركية في إجلاء حراس ضريح سليمان شاهونقل رفاته إلى قرية آشمة السورية الواقعة في ريف عين العرب شرق حلب وأعلنت الحكومة التركية أن منطقة في قرية “آشمة” بسورية وضعت تحت سيطرة الجيش التركي ورُفع العلم التركي فيها تمهيداً لنقل رفات “سليمان شاه” إليها، وتمت العملية العسكرية بمشاركة 600 عسكري، و60 مدرعة، ونحو 40 دبابة، وطائرات بدون طيار، وطائرات استطلاع.
رتل الجيش التركي يمر بحاجز تنظيم الدولة الاسلامية

رتل الجيش التركي يمر بحاجز تنظيم الدولة الاسلامية

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى