الرئيسية / مقالات / ثقافة القبضات – أحمد الصباح
ثقافة القبضات – أحمد الصباح

ثقافة القبضات – أحمد الصباح

الصوت؛ تلك الموهبة المصادرة منا كمواطنين سوريين منذ عقود، وحرمنا من استخدامه مكتوباً أو مسموعاً على مدى حقبة من الزمن.

ومن كان يجرؤ أن يختبر مهاراته بصوت مرتفع؟

فقد كان شعارهم: فلتقل خيراً أو فلتصمت, وما قصد الخير طبعاً على وجه الإطلاق كقيمة أخلاقية, وإنما أضمرت كلمة (خيراً) خلفها جملة مفادها (فلتقل خيراً بحقنا) أو فلتصمت! فكان أن غرد الكثيرون بأصواتهم بغض النظر عن جمالها وسبحت بحمد ورضوان جلالة الحاكم.

وفضلت باقي شرائح الشعب أن تلتزم حديث الجدات وكتب الأمثال الشعبية بما ورد فيها من أمثلة: لسانك حصانك إن صنته صانك وإن خنته خانك, والمثل القائل: الحيطان لها آذان، وغيرها كثير من الأمثلة التي ترسّخت في لا وعي الجماهير وهي على قناعة مطلقة بصحتها، فذاكرة كل منهم تعج بعشرات الصور عن أقرباء أو معارف دفعوا أثمان باهظة من أعمارهم أو أجسادهم لقاء زلة لسان أو هفوة قلم!

كما عوّدنا النظام في حقبة سلفت، أن نكون مستمعين جيدين طالما أن المتحدّث الوحيد هو الناطق باسمه، فترى قناة تلفزيونية واحدة وإذاعة مسموعة واحدة وبضعة جرائد ما هي إلا كسلة بيض الفصح تعدّدت ألوان قشوره ومضمونه واحد!

إذن، تعودنا على أن يكون هناك طرفان أحدهما يعطي وهو النظام والآخر يتلقى وهو عامة الشعب.

الأمر الذي خلق بيئة من لون واحد تسير برتابة معينة في مسار حدده لها جلالة الحاكم بخطوط حمراء تزينها أعمدة موزّعة في كل مسافة، صُلب عليها من سوّلت له نفسه أن يتجاوز أحد الخطوط الحمر, فوضع هناك حتى يكون عبرة لغيره من أفراد القطيع!

كل ذلك ترك في لا وعي العامة حاجة مكبوتة ليس إلى الكلام فحسب, بل إلى الصراخ بملء الفم.

وكان لهم ذلك في عهد الثورة المباركة!

فقد أزيلت جميع الخطوط الحمراء, وانتشرت القنوات والإذاعات وبات كل شخص صوتاً بحد ذاته, وربما عشرات الأصوات, وبات كلّ يغني على ليلاه.

ولسنا بصدد الحديث عن عموم أدوات إيصال الصوت من وسائل التواصل الورقية أو الإلكترونية بل عن أداة واحدة منها وهي القبضة اللاسلكية.

تلك القبضة التي باتت في ظل الانقطاع المتواصل للطاقة الكهربائية وعدم توافر وسائل التواصل في المكان والزمان المناسبين؛ باتت الوسيلة الأمثل لتداول الخبر ووسيلة التواصل بين المقاتلين على الجبهات.

ومن هذه النقطة وجب التنويه إلى أن أولوية استخدام القبضة هي للمقاتل على الجبهة وللمرصد الذي ينقل أخبار تحركات العدو للمقاتلين.

ولا مانع من وجودها في أيدي مدنيين على أن تكون مستقبلة فقط لا معطية, كي يحذّر المرصد من خلالها الناس من شرّ طائرة قد اقترب, أو يزف لهم بشرى نصر كان مرتقب.

ولكن ما نراه على أرض الواقع أن القبضة باتت تسلية من لا تسلية عنده, بات الجميع يملكون أصواتاً صادحة وفصاحة نادرة وكل واحد يريد أن يسمع مواهبه للجميع والجميع كرهوا الاستماع لطول ما استمعوا قبل اندلاع الثورة!

ما عليك إلا أن تولّف قبضتك على التردد العام، وستتكفل شرائح المجتمع رجالاً ونساءاً وشيوخاً وأطفالاً بامتاعك ببرامج طويلة تتراوح فقراتها بين رجل دين، يتحدّث عن التوبة ويوزع فتاواه ذات اليمين وذات الشمال, وبين شاعر يحطّم الأوزان وكأنها رأس جندي أسدي ويعتدي على أملاء اللغة ونحوها كما لم يفعل قبله أعجمي قط, وبين طفل يبحث عن أبيه وبين امرأة تتغنج دلالاً، وبين هذا وذاك وذاك فقرات إعلانية جنسية وغير جنسية وحفلات قذع وسب وشتم بين شبيح تسرب إلى التردد فجأة وشبيح ثوري يتمتع بذات المواهب الفذة في المنفلت من الكلام.

كل ذلك على العام يسمعه الصغير والكبير, يخدش حياء الرجل قبل المرأة, ويبث ثقافة أخلاقية أقل ما يُقال فيها (ما شاء الله) ما هذه الثقافة التي ننشرها بين نسائنا وأطفالنا, وكيف نسمح لأنفسنا بأن نروي عقولهم الغضة العطشى بثقافة الشارع تلك, ألا يكفي تلك الذاكرة ما تحمل من صور مفجعة للقتل والدمار والتشرد!

ومن زاوية أخرى، لابدّ من التنويه لأهمية العمل الذي يقوم به من يسمون بالمراصد والجهد الذي يكابدونه في سبيل إيصال معلومة مفيدة للمقاتلين أو نقل بشائر نصر على هذه الجبهة أو تلك,

ولكن نتمنى عليهم ألا يبالغوا في نقل أخبارهم, فترى البعض يظن نفسه عصام الشوالي معلقاً على مباراة رياضية حاسمة فتراه يعلن بدء تحرير مطار حماة والمقاتلون ما زالوا قرب جسر حلفايا! حتى صار يتندر المتندر على خبر القبضة فيقول (دعك منه إنه حديث قبضات).

وترى آخراً يجلدك بقصيدة عصماء لا تمت إلى الشعر والعربية إلا كون أحرفها برسم عربي, وكأنه أبو زيد الهلالي يفتخر بنصر خرافي.

ومن سيلومك أخي المرصد؛ إن تحدّثت بلغة محكية مألوفة سهلة الفهم وأقرب للتصديق, وما من داعٍ لتكلف لغة عربية فصيحة ينوء بها كاهلك لكثرة ما ترفع المكسور وتنصب المجرور.

القبضة إخوتي وجدت لخدمة المقاتلين في معاركهم مع النظام، ويُفضل لو اقتصرت على هذا الاستخدام, لما يفرضه كثرة المستخدمين من إشغال للترددات وتداخل بينها وتقصير مسافات البث, ولكل ذلك انعكاساته على الأرض.

ولا يسعنا إلا القول إننا كشعوب عربية نتمتع بأصوات جميلة ومن حقنا جميعاً أن نتكلم وأن نوصل صوتنا بعد أن صمتنا لعقود, ولكن لن ينفعنا الحديث ولا مستمع, فليحافظ كل مغرّد على القبضة على مستمعيه وجماهيره!

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى