الرئيسية / مقالات / “مخيم حندرات” حكاية اللجوء المتجددة – عبير الفارس
“مخيم حندرات” حكاية اللجوء المتجددة – عبير الفارس

“مخيم حندرات” حكاية اللجوء المتجددة – عبير الفارس

على بعد ثلاثة عشر كيلومتراً إلى الشمال من مدينة حلب تقع هضبة صخرية جرداء اختارتها الحكومة السورية عام 1962 لتكون أبعد مكان عن فلسطين ينصب فيه اللاجئون الفلسطينيون خيمهم، 160 دونماً من الأراضي الجرداء سكنها سبعة آلاف فلسطيني جاؤوا من حيفا وعكا وصفد وقراها.

مرّ الشتاء الأول، والثاني، قبل أن تهدي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا” الكرفانات لساكني مخيم حندرات، ومرّت سنين قبل أن يبدأ لاجئو “حندرات” بناء بيوتهم من الطوب الرخيص. توسّع المخيم، مع زيادة عدد سكانه بفعل تزاوج وتكاثر أبناءه.

مخيم حندرات، أو مخيم عين التل، هو فلسطين الصغيرة التي بناها أبناؤها بعيداً عنها، شباب المخيم اختاروا الانتساب لحركة فتح أو حماس أو الجبهة الشعبية أو الديمقراطية، وآخرون فضلوا الوقوف على الحياد ليتهموا من انتسب لحركات المقاومة بالخيانة والخداع، فأية مقاومة على بعد ستمئة كيلو متر من أرض فلسطين!

في المخيم مدرسة ابتدائية، أُطلق عليها اسم “رام الله”، وإعدادية ذكور سُمّيت “ناصر الدين”، وإعدادية إناث سُمّيت بإعدادية “الزيب” نسبة إلى تلك القرية النائية التي يذكرها أهلها القادمون من شمال فلسطين.

في المخيم مركز صحي افتتحته “الأونروا” التي رفضت لسنين طويلة تقديم خدمات المياه والصرف الصحي لأبنائه.

لقد عملتُ مدرّسةً سنيناً طويلةً في إعدادية “ناصر الدين”، تعرّفت خلالها على مدى تعصّب أبناء المخيم لحركات المقاومة التي يناصرونها، وحفظت عن ظهر قلب انتماءاتهم وأسباب خلافاتهم، كنتُ أصدم كل يوم من جديد، حين أعود إلى حلب، بمدى وحدة الرأي العام، لم يكن هناك خلاف أو نقاش بين السوريين، لم يكن هناك سوريون أصلاً، كان حزب البعث قد ابتلع كل شيء!

في اليوم التالي لاستشهاد الشيخ أحمد ياسين “مؤسس حركة حماس” في ربيع عام 2004، ذهبت إلى المدرسة صباحاً حابسةً دموعي، خائفة من دموع بنات المخيم، مرّت الساعات الأولى كئيبة بطيئة، قبل أن أعلم أن الحزن ممنوع في عُرف الفلسطينيين، الدموع ممنوعة، بيوت العزاء ممنوعة، حالهم كان يومها من حالنا اليوم، لقد اعتادوا الموت وألفوه سبيلاً وحيداً للحياة.

روى لي أصدقائي الفلسطينيون حكايات تغريبتهم، كانوا يواظبون على إرفاق كل حكاية باللوم لأخوتهم العرب، الذين لم ينصروهم، وكانوا يواظبون أيضاً على لوم قياداتهم على تقصيرها، وخيانتها أحياناً، كانوا يقدمون لي كل يوم حكاية من حكايات سوريا اليوم، وكانوا يرفقون مع كل حكاية لوماً وحنقاً كالذي نعيشه اليوم!

حمل الفلسطينيون حين خرجوا من مدنهم وقراهم مفاتيح بيوتهم، وحملوا معها أحلام العودة، ووصلوا بها إلى مخيماتهم، كما فعل السوريون تماماً، كنت أتساءل كلما حكى لي أحدهم حكاية مفتاح بيت والده الذي ورثه عنه، هل سيبقى الباب منتظراً؟ جاءني الجواب أخيراً، حين حملت مفتاح بيتي وخرجت من حلب، نعم سيبقى الباب منتظراً، لأن الأمل بعودة الحق لأهله لا يموت!

علق على هذا المقال

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

live webcam girls
إلى الأعلى