الرئيسية / مجتمع / المراهق: بين طموحات الذات وحدود الواقع – عبد الباقي زيدان
المراهق: بين طموحات الذات وحدود الواقع – عبد الباقي زيدان

المراهق: بين طموحات الذات وحدود الواقع – عبد الباقي زيدان

 

محمد شاب تجاوز الخامسة عشرة، ابن الاستاذ عبد الكريم المعروف بأخلاقه واتزانه، بدأ يشكو منه أساتذته ورفاقه، فقد لاحظوا في الآونة الأخيرة ميله للعنف وعدم احترام المعلمين واستخفافه بكل من حوله وعدم اهتمامه بمظهره.

وعندما استدعي أبوه للمدرسة أضاف إن ابنه أصبح غريب الأطوار لا يعرف أين يذهب ولا يجيب على تساؤلات والديه، وأحياناً يتهمهما بالجمود والغباء، تارة متدين لحد التطرف وتارة يستخف بالقيم والمثل والدين. تارة يأتي للمدرسة بلباس عسكري يتباهى بالانضمام لفصيل معين وتارة تراه ناقماً على كل التشكيلات. (لم يكن هكذا) قال أبوه بحسرة.

لا شك أن محمد يعيش مرحلة حساسة ومهمة من حياته؛ إنها المراهقة.

Stressed Schoolboy with Head in Hands

المراهقة مرحلة عمرية يمر بها كل فرد، وهي انتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج.

المراهقة جسدياً: هي مرحلة تحوّل من جسد الطفل إلى حالة البالغ سواء ذكر أم أنثى، ففيها ينمو شاربا الشاب وذقنه ويغلظ صوته، ويكبر صدر الفتاة وتتعرض للدورة الشهري. ولا شك أن هذه العلامات قد تولّد خجلاً للمراهق من مظهره الخارجي وكبتاً، وعلى من حوله مساعدته لتقبل جسده وذاته الجديدين.

والمراهقة جنسياً: مرحلة يكتشف فيها الفرد جنسه وما يميزه عن الجنس الآخر، يكتشف نضوجه الجنسي وما يرافق ذلك من حاجات ومشاكل، وهو أيضاً بحاجة إلى من يساعده على تثقيفه جنسياً ثقافة تلائم مجتمعه وقيمه ودينه.

والمراهقة اجتماعياً: هي مرحلة يكتشف فيها المراهق أنه عنصر من جماعة وله أصدقاء وأقران يؤثر ويتأثر بهم بشكل ملحوظ.

والمراهقة نفسياً: هي مرحلة تكوين الذات التي تميز الفرد عن غيره، حيث يستطلع الفرد محيطه ويكتشفه ويحاول أن ينتقده.

وتعد الذات بعد بروزها النواة الضرورية لتكامل الشخصية, أي المرجع الذي تنتظم حوله التجارب وأنماط السلوك فتدرك المشاكل وتعقلها وترد عليها في إطار بنيتها تلك, وما الذات سوى الافتراضات التي يكونها الفرد بمرحلة مبكرة حول ذاته وحول العالم المحيط به وحول دوره في هذا العالم.

وتأخذ تلك الافتراضات ثلاثة أشكال:

الواقعية: أي نظرة الفرد للأشخاص والأشياء وأي نوع من الأشخاص هو، ونظرته عن العالم من حوله.

المثالية: أي تصوّر الفرد كيف يجب أن يكون وفق منظومة القيم التي تحكم مجتمعه؛ كالخير والشر والخطأ والصواب والمرغوب والمنبوذ…

الإمكانية: أي تصوّر الفرد لكينونة الأشياء وإمكانية تغييرها وللظروف الموافقة للنمو الفردي والاجتماعي.

لا شك أن هذه الافتراضات تؤثر في طريقة تفكير الفرد وسلوكه وهذا ما يعطي للفرد إحساساً بهويته (من هو) وذاته المثالية أي بالصورة التي يتمنى أن يكون عليها.

فالفرد عندما ينفتح على العالم يعيش صراعاً داخلياً، ويحاول أن يكوِّن ذاته وفق الفرضيات السابقة الذكر, فيبحث ويكتشف هويته الذاتية حيث يبدأ بإدراك ما حوله ويحاول تقييمه لاعتقاده بقدرته على تصويبه، لم لا وقد أصبح رجلاً لديه الكثير من الإمكانات الفكرية والجسدية.

والصراع يبدو جلياً بين ذاته الوقعية وذاته المثالية، لذلك يمكن أن نعد مرحلة المراهقة أشبه بحالة مخاض يولد من خلالها الفرد ويميز ذاته عن الآخرين، أي مرحلة تكوين للشخصية وفق الافتراضات السابقة.

وكثيرة هي العوامل التي تؤثّر في المراهق وبالتالي في تكوين شخصيته وذاته، منها العوامل الاجتماعية (أسرة، أقران، مدرسة) والعوامل الثقافية والاقتصادية وحتى المناخية. فبقدر ما تكون البيئة المحيطة بالمراهق متوازنة ومستقرة؛ بقدر ما يكون تكوين شخصيته تكويناً متوازنا ومستقراً، والعكس بالعكس.

لذلك علينا مراقبة هذا الفرد من بعيد وتشجيعه على خوض تجربة النضج اللذيذة والمخيفة بنفس الوقت، وهنا يبرز دور القدوة أو المثل الأعلى لدى هذا المراهق؛ وإذا لم يكن مثل المراهق الأعلى قريباً (أب، أخ، قريب، معلم المدرسة، رجل الدين) فغالباً ما تكون شخصية شهيرة (لاعب كرة، مطرب) وهنا علينا أن نقرب الفجوة لدى المراهق بين ذاتيه الواقعية والمثالية عن طريق توعيته بطريقة يتقبلها وزرع الثقة بنفسه والاستماع لمشاكله عندما يريد البوح بها وعدم الاستخفاف بها والإجابة على كل تساؤلاته التي قد تتعدى حد المعقول في بعض الأحيان.

 

مما لا شك فيه أن مراهقنا اليوم غير محسود على ما هو فيه سيما في هذه الظروف الضبابية الغامضة الواقع والمستقبل، وبينهما الإمكانية شبه المعدومة ضمن هذه الظروف.

وبالرجوع إلى محمد الذي يعيش هذه المرحلة ويفتح عينيه على واقع الحال، يبحث لذاته عن مكان في هذا الوضع الذي تعمّه الفوضى.

الذي حمَّله والداه ذاتاً مثالية لا تتناسب مع ميوله ورغباته بل كبتت ما يحاول هو أن يكونه من ذات مثالية خاصة به، هو يريد أن يكون مدرساً بينما أبوه يريده طبيباً، حاول أن يشرح لأبيه أنه لا يحب منظر الدماء ولكن دون جدى فعاش صراعاً بين رضى أبيه وطموحه صراعاً كأنه جمر تحت الرماد مع العلم أن مهنة المستقبل هي جزء من ذات محمد المثالية.

يعيش محمد صراعاً بين حمودة الطفل المثالي في نظر والديه وبين محمد أبو عبدو ذلك الرجل الذي تخطر بباله أشياء قد يقوم بها، يعتبرها والداه خطيئة تقوده غالباً إلى حالات من تأنيب الضمير. هذا الصراع يخلق حالة من التناقض التي انعكست على سلوكه أخيراً.

  • صراع بين الطفل حمودة وبين الرجل أبو عبدو.
  • صراع بين ما تربى عليه من قيم ومثل وأخلاق وبين ما يراه من واقع بعيد عن هذه القيم.
  • صراع بين ذاتيه الواقعية والمثالية والفجوة الكبيرة بينهما.
  • صراع بين متطلبات الحياة وبين دخل أسرته.
  • صراع مرير بين بقائه في البيت يتم واجباته المدرسية مستمتعاً بمديح والديه وبين انخراطه في مجموع أقران يحاول أن يكتشف عالمه بطريقة تختلف عما أخبره عنه والداه.
  • صراع بين مثه الأعلى وبين ما يكتشف من تناقضات في مثله الأعلى، فأين مثله الأعلى؟

–         في والده الذي يصر على أن يلتزم ابنه بالمدرسة ولا يعير أي انتباه لما يجري حوله؟

–         في معلمه الذي تنازل عن مثاليته وركض خلف المادة (مع عدم التعميم حفاظاً على شعور المعلمين القدوة)؟

–         في شيخ الجامع الذي سمع من يطلق عليه أسوأ الصفات؟

–         رجل السياسة الذي تحول من شخص يتحمل الكثير لخدمة المواطن إلى قاتل أطفال؟

وإذا لم يجد محمد مثلاً أعلى، ولا حتى من يستمع لتساؤلاته وما يؤرقه، وربما زاد من الطين بلة ضيق ذات اليد والنزوح وظهور أناس لم يعتد أن يحترمهم وفق منظومته الآخلاقية بشكل ملفت للنظر ويخلق الكثير من التساؤلات فربما يجد اللص وجيهاً والقاتل محترماً والمنافق مشرعاً. هل يصرخ بوجههم ويعريهم أم يكبت شعوره تجاههم ويعيش حالة من الانطواء والعزلة، أم يجرب طريقتهم في الحياة؟

أخيراً وبعد ظهور هذه العلامات على محمد ترى ما هي الطريقة المثلى للتعامل معه؟

  • لا شك أن محمد فرد طبيعي غير مريض.
  • على الأهل تقبّل ولدهم ومساعدته على تقبّل ذاته الجديدة وعدم فرض وجهة نظرهم وترك هامش تفكير ومحاكمة له.
  • إعداده لتقبّل تناقضات المجتمع التي قد يواجهها.
  • الاستماع لهواجسه والإجابة على استفساراته بكل صراحة مهما كانت حساسة أو جارحة.
  • مشاركته في اتخاذ القرارات وترك بعض القرارات التي تخصه له.
  • ترويضه على تحمل مسؤولياته.
  • عدم توجيه النقد اللاذع والمباشر له.
  • مساعدته في اختيار مجموعة الأقران بشكل غير مباشر.
  • شرح الواقع له وأنه من الطبيعي ألا يحقق الشخص كل ما يتمناه.
  • اطلاعه على السبل التي يجب عليه أن يسلكها (الامكانية) لتحقيق ذاته المثالية وفلترة طموحاته حتى تكون قالبلة للتحقيق بطريق صريحة بعيدة عن القنوط والتفاؤل الخيالي.
  • العمل بالمثل الشعبي القائل: (إن كبر ابنك خاويه).

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى