الرئيسية / تحقيقات / مخيم أطمة: عندما تصبح الخيمة حجراً – تحقيق وتحرير: فريق الغربال
مخيم أطمة: عندما تصبح الخيمة حجراً – تحقيق وتحرير: فريق الغربال

مخيم أطمة: عندما تصبح الخيمة حجراً – تحقيق وتحرير: فريق الغربال

مخيم أطمة

عندما تصبح الخيمة حجراً

تحقيق وتحرير: فريق الغربال

للتحرير ضريبة باهظة يدفعها أبناء المناطق المحررة من أمنهم واستقرارهم، فبعد تحرير أية منطقة من قبضة النظام العسكرية، تصبح هذه المنطقة هدفاً لمدافعه وتحت رحمة براميله التي لاتعرف الرحمة! مما يضطر الكثير ممن لديه أطفال يخاف عليهم، أو ممن فقد منزله وبعض عائلته ذات قصف، للنزوح إلى المخيمات، ليعيش موتاً آخر.

DSC_0070

يخرجون مؤقتاً على أمل الفرج السريع، يعللون أنفسهم بمبادرة سلمية أو مؤتمر يضم دولاً عظمى، تعلن في نهاية المؤتمر عجزها أمام موتنا اليومي، وتتحول فجأة إقامتهم المؤقتة إلى إقامة دائمة بظروف مؤقتة، فبعضهم سكن العراء عدة أسابيع مفترشاً الأرض وملتحفاً السماء بانتظار خيمة لا تقي برد الشتاء أو حرّ الصيف، هذا إن حالفه الحظ وحصل عليها.

هذه حال أغلب مخيمات الداخل، الأمر الذي فرض على قاطنيها طريقة أخرى للتأقلم، فعند مرورك بمخيم أطمة الحدودي تلاحظ الغرف الإسمنتية التي تتخللها بعض الخيام، يقول أبو محمد وهو أحد سكان المخيم إنهم اعتقدوا أن نزوحهم عن قريتهم لن يطول (تاري الشغلة مطولة!)، فحملوا بعض ثيابهم قاصدين حدود الشمال السوري، ولكن الوعود والمبادرات والفشل المتكرّر جعلهم يدركون أن قريتهم ربما لن يعودوا إليها أبداً، ومع ذلك خاطروا بعودة أخيرة وأحضروا مواشيهم، التي أصبحت مثلهم تشكو شح الغذاء، وجفّ حليبها، وهم الآن يزرعون بعض المحاصيل في الأرض المحيطة بالمخيم! لأبي محمد حالياً بيت من الطوب والإسمنت، يؤويه مع عائلته، ويقيه من البقاء تحت رحمة خيمة يطل عليه النجم منها ويغربُ، وترتسم على وجهه الأسمر الملفوح من حرارة الشمس نظرة يأس وحزن، تشكو لله وطناً سليباً وعيشاً غريباً.

وبرفقته ذهبنا لجاره الذي كان يلقي الرمل من “سيارة الكيّا” ليبدأ بناء بيت من الإسمنت بدل خيمته المتهالكة التي تثير الشفقة، (يا أستاذ؛ مو من طيبنا عم نعمر هون، الشغلة مطولة والخيام متل مانك شايف)! يساعده ابنه الذي لم يتجاوز بعد سن السادسة، يمسك “الكريك” بيديه الطريتين، وينثني عن قدميه اللتين تشبهان أعواد الورد الغضة بنطاله، خوفاً من أن يتسخ (لأنو ما عنا مي يا عمو)! هكذا أجاب عندما سألناه عما يفعل، “حمودي” لم يقدم له أبوه وعوداً بشراء لعبته المفضلة، أو أخذه لمدينة الملاهي، حتى يساعده! بل إن فرحته بالخلاص من خيمة العبودية، والاحتماء بحائط له رائحة الماضي، هي التي جعلته يُغرق قدميه العاريتين في الرمل الأبيض، ليساعد أباه، (عم نعمر بيتنا) قالها بفرح ورجولة جعلتا أبا محمد يقترب من السيارة ويقبل خده الناعم، فبدل أن يعمر بيوتاً من المكعبات يلعب بها، ككل أطفال العالم ممن هم في عمره، كبر الطفل سريعاً، وحمل هم بناء بيت يضمه في كنف عائلته، كما سيحمل غداً هم بناء وطن دمره حاقد أحمق.

DSC_0027

أبو خالد الذي اشتكى من سوء الأوضاع كافةً في المخيم، والذي كان عرقه يتقاطر من جبينه أثناء الحوار (من حرقة قلبي) هكذا علل حنقه وغضبه، يقول: إن النازحين قد يضطروا للنوم في العراء أسابيع دون أن يكترث أحد بحالهم (اللي بتصعب ع الكافر) وهم في انتظار خيمة، أو قد ينزلوا ضيوفاً على خيمة أحد معارفهم أو أقربائهم، لدرجة أن بعض الخيام قد تضم أربع عائلات في بعض الأحيان، هذا الأمر ورغم غلاء أسعار المواد من إسمنت وطوب ورمل وغيرها من مستلزمات البناء جعل البعض يبني بيوتاً إسمنتية بدل انتظار خيمة قماشية، وحتى في حال الحصول على خيمة فالمشكلة باقية، (ولا تفكر الخيمة للعمر، أكتر من شهر بالكتير ما بتبقى) فالخيام ذات نوعية رديئة ولا تصمد أمام البرد أو الحر، والانتظار ليس أكثر من زيادة ألم ومعاناة جعل البعض يختصرها ويريح نفسه بالاستقرار مباشرة.

وفي ظلّ الانسداد السياسي والعسكري الذي تعيشه الثورة وقد دخلت عامها الثالث؛ هل سيأتي يوم تصبح فيه المخيمات التي نزحنا إليها مؤقتاً؛ كمخيمات الفلسطينين المؤقتة التي زاد عمرها على ستين عاماً!

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى