الرئيسية / تحقيقات / عودة المنشقين إلى (حضن الوطن): بين مطرقة الرفض الثوري وسندان الفقر! – فريق الغربال
عودة المنشقين إلى (حضن الوطن):  بين مطرقة الرفض الثوري وسندان الفقر! – فريق الغربال

عودة المنشقين إلى (حضن الوطن): بين مطرقة الرفض الثوري وسندان الفقر! – فريق الغربال

عودة المنشقين إلى (حضن الوطن)

بين مطرقة الرفض الثوري وسندان الفقر!

فريق الغربال

كثرت في الآونة الأخيرة إشاعات عودة الشرطة المنشقين إلى النظام، وانقسم الناس وبين نافٍ للخبر يعتبره جزءاً من الحرب الإعلامية التي توهن النفوس، وبين مؤكّد له ومبرّر بالوقت نفسه، وبين مُتَّهمٍ بالعمالة والخيانة.

1890563_1411893302397650_458859321_o

وكعادتها الغربال سلّطت الضوء على هذه الظاهرة، لاستيضاح أسبابها وتداعياتها، والتقت بعدد من المنشقين في ريف إدلب، كان منهم الشرطي المنشق منذ ما يقارب السنتين محمد.ج، الذي يقول إنه انشق بسبب الظلم والطائفية الواضحة في التعامل، فابن الطائفة له رتبة ترفعه درجات عديدة حتى لو لم يكن له رتبة، وإذا وصل أحد أبناء الطوائف الأخرى لأي منصب، فيكون لا حول له ولا قوة “بدو سلّتو بلا عنب”، هذا عدا عن ترفيه ابن الطائفة في الخدمة؛ فيتم تعيينهم في مكاتب الهجرة والجوازات “تحت المكيفات والسرقة مالها حباس”، بينما نحن نخدم بالشوارع!

وعند قيام الثورة اشترى محمد بارودة وأودعها عند الثوار قبل الانشقاق، ثم انشق وشارك في معارك تحرير كفرنبل وكفروما ومعرة النعمان. يؤكّد محمد أنه ضدّ عودة الشرطة للخدمة عند النظام: (لقد قتلوا أخي وأبناء ضيعتي فكيف نعود لهم؟) ويقول إنه قد سمع بعودة 280 شرطي من ريف إدلب، يتذرّع بعضهم بأنه مات من الجوع، والبعض أصبح نزيل المخيمات التي تأتي منها أخبار برائحة الذل والمهانة، والبعض غير مقتنع أصلاً بالانشقاق، ولكن بغض النظر عن الأسباب فهو يرفض العودة إلى النظام تحت أي مبرّر، لأن العائد سيكون كبش أضحية يتقدم الصفوف ليقتل أهله، فمحمد لديه عائلتان مكونتان من 12 شخصاً، وتأتيه المعونة كل ثلاثة أو أربعة أشهر فقط، يساعده أيضاً إخوته في لبنان: (إذا بدي اعتمد ع الإغاثة، بإذن الله ما بيضل منا حدا)! ورغم وضعه هذا إلا أنه يرفض هذه الظاهرة بشكل كامل، وفي حال كان الفقر سبب العودة فإن محمد يلقي باللوم على الكثير من الجهات التي لم تجُد إلا بوعودٍ ذهبت أدراج الرياح.

ويروي خالد حرّوب قصة انشقاقه منذ سنتين (انشقيت حتى لا أنخرط في قتل المدنيين) وبإرادته الكاملة ودون ضغط من أية جهة، ثمّ التحق بلواء فرسان الحق وما زال بنفس اللواء (هاد اللواء أو غيرو، كلو متل بعض) فالمعاناة نفسها بكل الألوية ولا راتب يعيل الأسرة، مما اضطر خالد لفتح بسطة يجني منها القليل ولكنها تستر حاله، وتغنيه عن السؤال، (المنشقين أحوالهن تعيسة، سواء اللي عم يحارب أو لا)، فبعد تحرير المدينة شكّل قرابة 300 شرطي منشق ناحية في كفرنبل بقيادة رائد، لكن محاولتهم باءت بالفشل لانعدام التمويل وبالتالي الرواتب.

وبرأي خالد أن (الناس عبترجع ع الدوام من الفقر، كان في ظلم من النظام مع راتب؛ وهلق ظلم بس بدون راتب)! فالإغاثة تأتي كل شهرين أو ثلاثة، (وإذا ما قاتلناهن ما حدا بيعطينا). ويحمّل خالد الائتلاف مسؤولية عودة الناس للنظام، فلو نظر بأمر المنشقين وحسن أحوالهم لما فكر أحد، مجرد تفكير بالعودة، (ما منطلب غير المعيشة، ما بدنا نعيش عز ودلال)!

62ab9439-bd73-42ee-b1e3-3482a9ffbd9f

يبين لنا المساعد الأول المنشق محمود العمر والذي كان يعمل بمستشفى تشرين أنه كان لديه أكثر من سبب للانشقاق، فتقسيم المجتمع إلى أسياد وعبيد زاد من كرهه للنظام، فلا يكفي أن تكون رتبتك عالية حتى تصبح محترماً ومهاباً، بل يجب أن تبيع نفسك لهم، فقد اضطر محمود أثناء الخدمة لاحترام من لا يستحق الاحترام، لأنه إذا لم يفعل فالتهمة جاهزة (سب الأسرة المالكة أو الطائفة الكريمة! وقد تصل التهم لدرجة أننا لم نظهر الاحترام الكافي عند ذكر سيدنا علي، كرم الله وجهه)! كما عاصر محمود مجزرة صيدنايا في 2008 والتي تم أثناءها تصفية بعض السجناء دون ذنب، بالإضافة للأحداث التي مرت خلال الثورة، فبحكم خدمته في المستشفى العسكري، روى لنا محمود عن شاب أصيب بطلق ناري أثناء مروره في شارع تدور فيه اشتباكات، وتوفي الشاب بعد عشرة أيام ولكن ليس بسبب الإصابة التي لم تكن قاتلة أصلاً، بل بسبب الضرب المستمر على رأسه من قبل الطبيب المسؤول! وذلك بعد ذهاب الموظفين لبيوتهم. ويقول: لقد لمسنا آثار حروق بالكهرباء على أرجل بعض المعتقلين، ولاحظنا تورم رؤوس البعض الأخر، وطبعاً يشارك بالتعذيب بعض الدكاترة وأغلب الممرضين، (كل ما الواحد منهن ما قلت مرتبتو؛ كل ما زاد حقده وألمه وكرهه ألنا)! وسمعت أن بعض الممرضين كانوا يرمون الأدوية ولا يعطوها للمعتقلين “الإرهابيين”، وأمام كل ذلك فإن أي عاقل يجد نفسه مضطراً للانشقاق الذي لم يكن سهلاً أبداً، فأطفاله في المدارس (والعين علينا؛ يعني مراقبين) ولذلك كان على محمود المحاولة أربع مرات حتى استطاع في النهاية العودة لبلدته، ومن المؤكد أنه بعد هذا العناء الذي عاناه هو وكثيرين غيره؛ يرفض فكرة العودة للنظام التي سمع عنها، ورغم كل الضغوط التي يتعرّض لها المنشقين، فالمنشق ترك كل شيء خلفه وراتبه وبعضهم أتى بلباسه فقط، ورغم أنهم كالمهجرين في ضيعتهم؛ إلا أن هذه الأوضاع لا تبرر الرجوع عن قرار مهم كالانشقاق، ويشبّه محمود اعتناق الحرية كاعتناق الإسلام! فمهما عانى الإنسان من تعذيب وضغط، فليس هذا مبرر للكفر! ويتمنى من المنشقين النظر للأمر على مستوى جماعي لا شخصي (شبعنا تقارير، والحيطان ألها دانات، بيكفي دوس ع رقابنا) فالهم الوحيد حالياً هو نصر الثورة وإقامة نظام المساواة في المجتمع.

أحمد.ا كان ضد انشقاق الشرطة عن الخدمة، فالشرطة لم تشارك بقمع المظاهرات، خاصة من يعمل بالمكاتب، بل بالعكس كانوا يسيّرون أعمال أبناء الضيعة وبعضهم قدّم مساعدات عظيمة للثورة، كتهريب معدات التصوير والإنترنت من المطار والسماح لبعض المطلوبين بالدخول وغض الطرف عنهم، لقد خاطر هؤلاء بحياتهم من أجل الثورة!

DSC_0023

هناك فرق بين الجيش والشرطة، فأغلب الشرطة متزوجين ولديهم عائلات، بينما في الجيش (الشباب عزابية)، ولذلك بقي أحمد في خدمته حتى بدأت المضايقات، ولم يعد الطريق إلى مكان عمله آمناً، عندها تخلف عن عمله وبدأت مأساته، فقد جلس أحمد الذي لم يتقن عملاً بحياته غير وظيفته، وأصبح والده يساعده بمصروف العائلة ذات الخمسة أطفال، أما الرواتب التي سمع أنها ستأتي للمنشقين فلم ينل منها غير (الـ150 دولار اللي بتعرفوها كلياتكن)! والإغاثة التي قيل أنها ستغنيهم عن شراء الأغذية، كانت تغيب ثلاث أو أربع شهور وتأتي (خجلانة… وكاشّة)! وتنقّل أحمد بين الألوية، أملاً في إعالة أسرته، ولكنها كانت تشبه بعضها البعض، فجميعها تنثر الوعود في الصحراء، أما عن عودة المنشقين فيقول أحمد (يجوز كلامي ما يعجب حدا؛ بس هاد الواقع) يقول أحمد إنه سمع كثيراً عن المثل القائل: (ما حدا بيموت من الجوع) ولكنه لمس الموت مرات عديدة، فالفقر يمنعه من أخذ ابنه للطبيب إذا مرض، وتسبب بسوء تغذية لطفله الرضيع، ولذلك ينبغي ألا نقلّل من أهمية الفقر كسبب رئيسي لعودة المنشقين، فلو نُفِّذت الوعود التي قيلت لسقط النظام منذ زمن، هذا عدا عن سوء معاملة الثوار للمنشقين، فهم بنظرهم “انشقّوا بالطبُّون، غصب عنهن)؛ أي أنهم لا يتمتعون بالوطنية اللازمة لمجاراة الثورة، ولذلك يُعاملون كطبقة أدنى من الشعب! وعن نفسه يقول: أنا ما برجع، فالعودة للنظام هي الموت، وهذا برأيه أصعب ألف مرة من قرار الانشقاق، لأنه ربما لن يرَ العائد عائلته مرة أخرى، (ولك حتى لو مات بالجلطة وهوي هونيك؛ ما حدا رح يقول الله يرحمه)! بالإضافة لغدر النظام الذي لا يتورّع عن القتل أبداً عندما تنتهي حاجته من العائدين، ولكنه يحتفظ بهم كدليل على أن الثورة فشلت في الاحتفاظ بأبنائها -حسب رأيه- لا أكثر، (ما تعودنا منهم السماح وطيبة القلب) وينهي أحمد كلامه بالدعاء بالفرج والنصر للثورة.

الشهادات السابقة تظهر بوضوح دور التقصير الكبير من الجهات الإغاثية والمؤسسات البديلة –التي أصلاً تشكو من ضعف التمويل وقلة الإغاثات الواصلة إليها- في دفع البعض إلى العودة إلى النظام. وذلك ليس لايبرّر على الإطلاق العودة إلى الخلف، كما لايمكن أن ننكر دور الإساءات التي يكثر من توجيهها بعض الثوار للمنشقين؛ في تعاظم شعور المنشق بالعزلة والرفض من المحيط، ناهيك عن الفقر والذي هو سبب كل علّة!

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى