الرئيسية / تعرف على سوريا / آثار / التراث الأثري السوري، بات رهينة كيف يمكن لنا حمايته؟ -القسم الأول- د. شيخموس علي
التراث الأثري السوري، بات رهينة كيف يمكن لنا حمايته؟  -القسم الأول-  د. شيخموس علي

التراث الأثري السوري، بات رهينة كيف يمكن لنا حمايته؟ -القسم الأول- د. شيخموس علي

التراث الأثري السوري، بات رهينة كيف يمكن لنا حمايته؟

-القسم الأول-

د. شيخموس علي

تشتهر الأراضي السورية بتراثها التاريخي، المتمثل بآثار تعود إلى عصور ما قبل التاريخ وحتى نهاية العصر العثماني، كما تحتوي على الآلاف من المواقع والمعالم الأثرية المنتشرة في أنحاء مختلفة من سوريا مما يجعلها تشكّل مجتمعة متحفاً حقيقاً في الهواء الطلق، يعكس آثاراً لعدد من أقدم الشعوب والحضارات في العالم، ظهرت وتطورت منذ 11000 سنة، تاريخٌ أنشئت فيه أول القرى في سوريا (قرية قرامل، والمريبط، وحالولة، والجرف الأحمر، وقراصة، …).

منزل دمشقي قديم

اليوم، وبعد أكثر من عامين من الحرب، يتعرّض التراث الأثري والثقافي للخطر، ووضع المتاحف والمواقع الأثرية والمعالم التاريخية وأماكن العبادة، كما القلاع والحصون يبعث على القلق بشكل متزايد، عانى بعضها أضراراً طفيفة، ولحقت بالبعض الآخر أضرار أكبر، كما تعرّض الكثير منها للدمار بشكل لا رجعة فيه، وذلك بسبب كونها في أكثر الأحيان إما بالقرب من مناطق القتال، أو معنية بشكل مباشر بحيث تصبح حقولاً للمعارك، أو حتى أهدافاً!

بدايةً، من المهم الملاحظة أن التهديدات الرئيسية هي مماثلة لتلك التي واجهها العراق خلال فترة الحصار (1991-2003)، ومن بعدها خلال الغزو الأمريكي في عام 2003، وتندرج التهديدات والدمار تحت نفس درجة الخطورة. ويمكن تصنيفها في أربع فئات:

1- احتلال المواقع الإستراتيجية المطلة على المدن القديمة أو المراكز العمرنية: كتلال وقلاع حمص، وحماه، وحلب، وتدمر، وتل أعزاز، وتل النبي مند، الخ. بعض المعالم كالمتاحف الأثرية والمساجد: كمتحف معرة النعمان، ومتحف الفنون والتقاليد الشعبية بحمص، والجامع الأموي في حلب، الخ.

2- عدم وجود تدابير أمنية بشأن بعض المواقع الأثرية والمتاحف مما يعرضها للنهب (كمتحف حماه، أفاميا، دورا أوروبوس، الخ).

3- قصف الأحياء التاريخية، بداية من قبل الجيش النظامي (كقصف أحياء مدينة حمص القديمة بدءاً من قلعتها، وقصف قلعة المضيق من الدبابات المتمركزة في أفاميا، الخ)، ثم بسبب نشوب معارك بين فئتي النزاع، كما هو الحال في الأحياء التاريخية في حلب وحمص.

4-الفئة الرابعة ذات التأثير الكبير، هي نهب المواقع والإتجار بالقطع الأثرية. ويتجلى ذلك في عدد من المواقع كما هو الحال في ماري، وإيبلا، ودورا أوروبوس، والكتلة الكلسية، وأفاميا، وتدمر، وتبقى هذه القائمة أبعد من أن تكون شاملة.

منزل دمشقي قديم ‫‬

وهنا تجدر الملاحظة بأن السلطات، والمنظمات والبلدان المجاورة لسوريا، ولمواجهة هذه التهديدات، تتعاون بهدف اتخاذ تدابير فعالة، لاسيما تلك التي تكافح الإتجار بالتحف الأثرية.

كما تم أيضاً اتخاذ احتياطات أخرى لتعزيز أمن بعض المتاحف، ولكن أمام هذا الدمار الهائل الناجم عن احتلال المواقع، والتفجيرات والحفريات السرية، تبقى التدابير المتخذة حتى الآن غير كافية، ويجب أن تتبعها إجراءات فعالة أخرى.

دون الخوض في تفاصيل الدمار الكبير الذي لحق بالتراث في مختلف المحافظات (بمافيها حمص وحلب)، تتجلى ضرورة تسليط الضوء على وضع ستةٍ من المواقع الأثرية المدرجة على قائمة اليونيسكو للتراث العالمي المهدد بالخطر بهدف لفت الانتباه إلى المخاطر التي يواجهونها، واقتراح تدابير عملية لحمايتهم. وذلك بتطبيق أحكام اتفاقية لاهاي لعام 1945 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح من جهة، وتلك الواردة في اتفاقية باريس لعام 1972 بشأن حماية التراث الثقافي والطبيعي العالمي من جهة أخرى.

1- دمشق:

بخصوص مدينة دمشق المدرجة على قائمة التراث العالمي في عام 1980، قد عانى العديد من المواقع الأثرية تدميراً واسع النطاق في أعقاب القصف الجوي، كمما تعرض العديد من المنازل في حي الميدان العثماني لضرر كبير. بالإضافة إلى ذلك، تم وضع نقاط تفتيش في قلب المدينة القديمة كما عند مدخل باب شرقي، مما يعرضه للخطر في حال حدوث اشتباكات.

2- بصرى:

مدينة بصرى القديمة هي مثال بارز عن استمرارية وتتابع الحضارات فيها، من بابها النبطي، ومسرحها ومعابدها الرومانية، وكنائسها البيزنطية، ومساجدها التي تقع في قلب المدينة القديمة ويعود تاريخها إلى بدايات الإسلام. وقد أصبحت ساحة معارك وتمّ قصفها بالبراميل المتفجرة.

بالإضافة إلى تمركز القناصة ونقاط التفتيش في العديد من مواقعها الأثرية مثل الأبراج الأيوبية (من القرن الثاني عشر)، كما تمّ بناء بعض الإنشاءات الحديثة بالقرب من بعض الآثار القديمة ولوحظت حفريات سرية في منطقة المقبرة. وقد تضررت نتيجة القصف ثمانية مبانٍ جزئياً، وتم تدمير قسم من أعمدة معبد روماني يسمى كَليْبَة بالكامل بسبب قذيف أطلقت من دبابة. كما تعرّض القصر البيزنطي، المنسوب لتارجان، والذي بقي قائماً بطابقيه، للدمار جزئياً بسبب القصف ذاته. أما بالنسبة لكاتدرائية بصرى، والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث، فقد تضرّر سقف أحد أجزائها بسبب قذيفة.

يضاف إليها العديد من المواقع الأثرية المجاورة التي يعود تاريخها إلى الفترة الإسلامية، كالمسجد العمري (القرن الثامن)، ومسجد مبرك الناقة (حيث تم، بحسب التقليد، حمل أول نسخة للقرآن إلى بصرى)، ومسجد فاطمة، ومدرسة أبو الفداء، وحمام منجِك (القرن الثالث عشر).

3- تدمر:

تدمر - الدبابات في الحرم الأثري

أصبحت مدينة تدمر قاعدة عسكرية بكل معنى الكلمة لجيش النظام، الذي عاث تخريباً في الموقع دون أي احترام لمواد اتفاقية لاهاي أو اتفاقية باريس لحماية التراث العالمي الثقافي والطبيعي.

إن وضع تدمر مقلق للغاية؛ فقد اتخذت فرقة قناصة لها مركزاً على سطح المتحف (في المدينة)، الذي أصيب بقذيفة أطلقت من قبل الثوار. وقد قام أيضاً جيش النظام بشق طريق بالجرافات اعتباراً من نقطة تفتيش أمنية، مما أدى إلى حفر خندق عبر المنطقة الأثرية. كما تم تثبيت أسلحة ثقيلة (كالدبابات والعديد من قاذفات الصواريخ، الخ) على العديد من التلال الأثرية في المنطقة، على سبيل المثال بالقرب من القلعة وكذلك المدافن البرجية التي تعود إلى القرنين الثاني والثالث الميلادي.

ولم تُنشر قوات الجيش بهدف حماية الموقع، فمن هذه المواقع يطلق الجيش النظامي صواريخه، وقذائف الأسلحة الثقيلة، على المدينة الحديثة والواحات وعلى المنطقة الأثرية، مما ألحق الأضرار بالعديد من المعالم كمعبد بل الشهير الذي يعود إلى عام 32 ميلادي. وتشير المعلومات التي تأتينا من تدمر إلى أن أضراراً متفاوتة الخطورة قد لحقت بجدران المعبد، وقد تسبّب القصف في انهيار عمودين من الرواق في الجانب الجنوبي.

كما تُظهر صور وتسجيلات فيديو أن لصوصاً قد سرقوا بيت الضيافة، وأن الجنود قد حفروا خنادق، وأن عدة أقسام مثل مخيم دقلديانوس، ومنطقة غرب المقابر تعرضت للدمار والحفريات السرية. ولكن تمت مصادرة القطع الأثرية، التي أتت ربما من تدمر، من قبل الجمارك اللبنانية والإيطالية.

يتبع في العدد القادم…

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى