الرئيسية / مقالات / لايكا الروسية – ميخائيل سعد
لايكا الروسية – ميخائيل سعد

لايكا الروسية – ميخائيل سعد

لايكا الروسية

ميخائيل سعد

ميخائيل سعد

وتشاء الأقدار، والتنافس بين طلاب الصف الثالث في دار المعلمين، أن أنال الشهادة الثانوية العامة-القسم الأدبي، دراسة خاصة عام ٦٨، وأن أتوجه إلى دمشق للتسجيل في كلية الآداب، قسم اللغة العربية. وكانت زيارة دمشق تعني، ببساطة، زيارة أصدقاء المرحلة الإعدادية: نبيه وأيمن. أما نبيه فقد قُبل في كلية العلوم، وأما أيمن فقد كانت علاماته لا تسمح له بدخول الجامعة فقرّر، بعد استشارة والده المحامي، الذهاب إلى تركيا للدراسة في إحدى جامعاتها الخاصة. أثناء تواجدي في دمشق، في ذلك الوقت، نمت أكثر من مرة عند أيمن في الملحق المكون من غرفة ومنافعها على سطح بنايتهم، وقد كان عليّ أن أكسب ودّ الكلبة “لايكا” التي يقتنيها صديقي، كي تسمح لي بالحركة ليلاً، لأن صديقي كان ينام أثناء وجودي عنده، في شقتهم مع أهله. قبل عودتي إلى حمص طلب مني أيمن، إذا رغبت، قبول هدية منه، هي الكلبة السوداء، طويلة الشعر “لايكا”، لأن أهله، ككل المسلمين، لا يحبّذون وجود الكلاب في بيوتهم، وعليه تصريفها وإيجاد مأوى لها قبل سفره إلى تركيا. ولما كنت مثل أغلب أولاد الفقراء الذين يودّون تقليد نمط حياة الأغنياء، فقد قبلت الهدية دون أن آخذ إذناً من أهلي، الذين يجدون صعوبة في تأمين أكلهم الشخصي، فكيف سيكون الأمر، وقد بات عليهم الآن تأمين طعام لكلبة أفرنجية لا تعرف كيف تكسب طعامها وحيدة من الشوارع، كما هي حال الكلاب الجعارية المنتشرة في الأرياف والأحياء الفقيرة في المدينة، والتي تكيفت مع فقر الناس!

وهو في وداعي في الكراج، قال أيمن: لقد اشتريت هذه الكلبة من خبير عسكري روسي كان قد حضر إلى سوريا بعد حرب خمسة حزيران، وقال لي إن تسميتها “لايكا” إنما هو نوع من التكريم لأول كلبة روسية خرجت إلى الفضاء عام 1957، وقد أعطاني مع الكلبة صحنها الخاص بالأكل، وآخر للشرب، ومشطها ومنشفتها وبعض الألعاب التي تشبه العظام. وفي طريقي إلى حمص، كنت مشغول البال بالطريقة التي سأقنع بها أهلي بقبول الكلبة في البيت، خاصة وأنها لا تأكل اللحوم أو العظام إلا وهي مقلية، والأنواع الأخرى من الأكل الآخر يجب أن تكون مخلوطة دائماً بمقدار من اللحمة الوطنية التي اعتادت عليها، فهي حسب تربيتها الاشتراكية مع الخبير الروسي، والقومية مع صديقي الناصري، لا تأكل اللحمة الامبريالية المعلبة، المسبقة الصنع! ويجب أن تنام في الغرفة. وقد رأيت أن أمر الأكل يمكننا حلّه، ولكن كيف يمكن حل مسألة الصحن الخاص والمنشفة والمشط، وكل أفراد العائلة ليس عندهم هذا الامتياز!

في حمص القديمة، دخلت الدار وتركت الكلبة حرّة بعد أن نزعت المقود الجلدي عن رقبتها، فوقفت في مكانها ترفض الحركة، وكأن أرض الدار المفروشة بالبلاط الحجري الأسود لم تعجبها وهي التي اعتادت البلاط الشامي الجميل، فكان لا بد من دفعها بنعومة إلى الأمام بقدمي قليلاً كي لا أهين مشاعرها وتتقدم، وهذا ما حصل. المهم أنني استطعت الهيمنة على الوضع المتفجر في البيت بالاعتماد على إخوتي الأطفال، الذين وعدونا بالعناية بالكلبة والاهتمام بأكلها نظافتها ونومها، ولكن كانت وعودهم ككل وعود الأطفال، سرعان ما تخلوا عنها بعد أن شبعوا من اللعب مع الحيوان.

في البداية، رفضت الكلبة الاقتراب من الأكل الذي كان يُرمى لها خارج صحنها، ولكن الجوع أجبرها في النهاية على ذلك، ثم حاولت أن ترفض اللحم النيئ، ولما لم تجد بديلاً له أقدمت على التهامه، كانت في البداية تهاجم كل من يدخل إلى الدار وتنبح عليه، ولكن الركل والرفس جعلها تتخلى عن هذه العادة التي لا يحبها الفقراء، واقتصرت في استخدام نباحها على الذين يمرون في الزاروب فقط. وشيئاً فشيئاً توسّعت دائرة معارف كلبتنا في الزاروب الصغير وأصبحت صديقة لكل أطفال الجيران، ومع الوقت نسيت شيئاً اسمه صحن ومشط ومنشفة وطعام مطبوخ، وازداد التهامها للخضار والفواكه. وخلال أقل من ثلاثة أشهر تحوّلت الكلبة المدلّلة البرجوازية إلى كلبة شعبية أقرب ما تكون إلى الكلاب الجعارية في العادات، وإن بقي شكلها الخارجي وحجمها مختلفاً، واستطاعت بقدرتها على التكيف مع الوسط السوري الجديد، ومع فقره، أن تكسب احترام ومحبة جميع أفراد العائلة وكل الجيران كباراً وصغاراً، وأصبحت تتجوّل وحيدة في الزاروب وتلعب مع من تجده من الأطفال، ثم تعود إلى البيت الذي كان باب داره مفتوحاً دائماً للبشر والحيوانات.

بعد انتصار الحركة التصحيحية عام ٧٠، ووصول الرفيق الفريق حافظ الأسد إلى قمة السلطة السياسية، كنت معلّماً في ريف حلب وقتها، وعندما حضرت في زيارة إلى حمص لم أجد الكلبة “لايكا” في الدار، وانتظرت بعض الوقت قبل أن أسأل عنها، فصمت الجميع، وأخيراً قال أخي الصغير: لقد رأى أولاد الحارة ضابطاً يمر من هنا، وكان يداعب الكلبة ثم اختفى هو وإياها، ونحن نعتقد أنه سرقها، وتابع أخي قائلاً: لقد رأيت ولداً آخر من الحي، أثناء التفتيش عنها، وقال لي إنه رأى عسكرياً يحملها بين يديه، وبجانبه ضابط يقول له: لقد استرجعنا ما كان ملكنا. وهكذا انتهت قصة لايكا السورية الشعبية بعد أن سرقها العسكر.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى