الرئيسية / مقالات / عن الشرطة السورية.. عن خدمة الشعب – مالك داغستاني – مؤسسة بصمة سورية
عن الشرطة السورية.. عن خدمة الشعب – مالك داغستاني – مؤسسة بصمة سورية

عن الشرطة السورية.. عن خدمة الشعب – مالك داغستاني – مؤسسة بصمة سورية

عن الشرطة السورية.. عن خدمة الشعب

مالك داغستاني – مؤسسة بصمة سورية

لطالما تفنَّن السوريون في تحوير الشعار الذي استخدمه جهاز الشرطة في سوريا “الشرطة في خدمة الشعب”، فمرة يبدلونه فيحوّلون عبارة “في خدمة” لتصبح “لسرقة أو لنهب” ومرات يبدلونه للدلالة على حالات الإذلال التي تمارسها الشرطة بحق المواطن العادي (حيث الجميع يعرف أن هناك مواطنون غير عاديين ربما يخيفون، عبر السلطة أو المال، جهاز الشرطة ذاته) ليصبح الشعار “الشرطة لذل الشعب”.

63_big

عشرات سنوات الخبرة حوّلتنا –نحن السوريين- إلى خائفين من الشرطي المُعرّف في مخيلتنا بأنه المؤذي دوماً، وكثيراً ما تداولنا عبارات من مثل: “إنسَ حقك ولا تدخل مخفر الشرطة”، من واقع تجارب الآخرين التي تفيد أن من يدخل مخفر الشرطة وهو صاحب حقٍّ بَيِّن، سيغادره وقد فقد ما يحمل من نقودٍ ليدفع عن نفسه تهمة تُلفّق له على عجلٍ، ولينفد بجلده متنازلاً عن حقه مهما كان.

شرطي المرور السوري هو الحالة الكوميدية المعلنة لفساد جهاز الشرطة، والتي يتندر الناس حولها أكثر من غيرها، فممارساته تتم في الشارع وعلى مرأى من كافة الناس، وقد اعتبر السوريون تحصيله للرشوى بمثابة العرف الذي يرضى عنه الطرفان، الشرطي والمواطن. بل وصار إحساس السائق الذي يدفع للشرطي لا يختلف عن إحساس من يدفع رسوماً مستحقة.. فالشرطي يوفر عليك دفع غرامة المخالفة، ولا يهم هنا إن كانت مستحقة أم لا، وأنت تقبل دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر.

ما ورد سابقاً يعرفه السوريون ولن يشكّل صدمة لأحد، إنه اعتيادٌ استمرَّ لأكثر من أربعين عاماً. ولكن ماذا لو وصفت هذه الحالات، وأوردت القصص كأمثلة أمام مواطن يعيش في بلد يحكمه القانون؟ قد يصاب بالدهشة بدايةً، ولكنه ما يلبث أن يبدأ بالضحك، حين يلاحظ أنك تروي، ما سيبدو من طبيعة سردك، أنه من مُسلَّمات الحياة أو من طبيعة الأمور. عندها قد تكتشف أنت “مصدوماً” أنك قادم من عالم آخر، من عالم لا يعلم أهله عن الكيفية الطبيعية للعيش البشريّ، من عالم البعث وآل الأسد ومفرزاتهم.

ماسبق لن يلغي وجود ضباط وصف ضباط وعناصر في هذا الجهاز لم يقبلوا أن ينغمسوا في الملوثات المتعمدة لمؤسستهم، وهؤلاء عانوا كباقي السوريين الذين حافظوا على قيم أخلاقية عالية وهم يؤدون وظائفهم من المضايقات والتهميش، وصولاً حتى تلفيق التهم الباطلة. وكان لافتاً أن هؤلاء هم من شَكَّلوا الكتلة الأكبر في حركة الانشقاقات التي تمت في هذا الجهاز.

760718806

اليوم، هل يحق للسوريين الحلم أن يوماً ما سوف يأتي، يكون لهم في بلدهم جهاز شرطة وأمن يبدد كل تعريفاتهم السابقة عن الشرطي؟ هل سيحلم المواطن السوري أن رؤيته لرجل يلبس زي الشرطة سوف يشعره أنه في أمان ومحمي من قبل هذا الرجل الذي يعلمُ أن مهمته هي تنفيذ القانون فقط، دون أن يكون له هو أي مكسب شخصي، ودون أن تنعكس عقد النقص لديه إذلالاً للمواطن؟ هل سيعرف الشرطي ويتعلم أنه في موقعه إنما هو موظّف ويتقاضى راتباً كي ينفذ القانون ويخدم عامة الناس ويحميهم من التجاوزات؟ وهل سيعود مخفر الشرطة مكاناً طبيعياً يدخله السوري دون خوف ليحصل على حقّهِ، عندما يتجاوز عليه أحد ما، كائناً من كان؟ قد تبدو هذه الأمور بديهية في معظم بلدان العالم، ومع ذلك فنحن نتحدث عنها وكأنها أحلام بعيدة المنال.

في سوريا وبعد قيام الثورة، قامت في بعض المناطق المحررة تجارب، أحياناً كانت متعثرةً وغالباً غير منظمة بما يكفي، لإقامة جهاز أمني يحمي المواطنين من الفوضى. وفي أكثر من تجربة تحدث المواطنون عن هذه التجارب بأسىً وحزن وكأن شيئاً لم يختلف عن ممارسات شرطة النظام، ومع ذلك ففي باقي الحالات بدا أن مواطنين آخرين، عاشوا تجربة مختلفة، وكانوا سعداء بل وفخورين بسلوك العناصر الأمنية المنبثقة عن الجيش الحرّ أو عن المجالس المدنية المحلية.

ويبقى لنا –نحن السوريين- أن نأمل قيام جهاز منظّم للشرطة في المناطق المحررة (يبدو أن نواته تتشكل الآن في مدينة حلب وريفها فيما يعرف بالشرطة الحرة) يقوم على تنفيذ القانون، ويحترمه ويخضع له بذات الوقت، وأولاً وقبل أي شيء، يعيد للمواطن السوري احترامه لهذه المؤسسة التي تتموضع في بقعة بالغة السوء في ذاكرة السوريين، لتتعمم هذه التجربة فيما بعد وتمتد لتشمل كل أنحاء سوريا حين انتصار الثورة، ولتصبح فعلاً في خدمة شعبٍ يحتاج الكثير والكثير من الخدمات.

هل تبدو هذه الأحلام بالغة التواضع وبكل مقاييس الكَون؟ هل ستبدو وكأنها من طبيعة الأشياء بل ومن البديهيات أحياناً في باقي دول العالم؟ نعم. ولكن على السوريين، وهم يعرفون تماماً ما خرَّبه نظام البعث والأسد في سوريا، عليهم العمل لتتحوّل أحاديثهم اليومية وأحلامهم عن غدهم القادم، إلى مقدماتٍ تضع سوريا على بدايات طريق طبيعية، في دولة طبيعية. طريق ستفضي بهم إلى أحلامهم التي ستشبه عندها أحلام باقي شعوب الأرض.

1002898_209966789175291_48410859_n

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى