الرئيسية / مقالات / رفاهية مواطن درجة عاشرة – صبا جميل
رفاهية مواطن درجة عاشرة – صبا جميل

رفاهية مواطن درجة عاشرة – صبا جميل

رفاهية مواطن درجة عاشرة

صبا جميل

اختلف مفهوم الرفاهية لدى السوريين، عن باقي سكان كوكب الأرض، منذ استيلاء حزب البعث على السلطة في البلاد، حيث حلَّت الشعارات و”البطولات الخلَّبية” للحزب، وقائده، محل حقوق المواطن السوري في الحرية والكرامة… وحُرِم الأخير من التمتع بمستوى معيشة يوازي على الأقل ما يتمتع به مواطنو الدول العربية المحيطة.

ابتدأت القصة مع اعتياد العين على مشهد “طوابير” الناس على أفران الخبز، ومراكز المؤسسات التي توزع السكر والرز والشاي… بالإضافة إلى منظر السيارات وعربات النقل المتزاحمة على محطات الوقود التي تعاني حاجة دائمة وعجزاً مستمراً في مادتي المازوت والبنزين… والسؤال عن السبب يداهمه دائماً جواب جاهز يتلخص في موقف الحزب “المعادي لإسرائيل”.. وهنا لا تستطيع أن تستمر في طرح الأسئلة، أو أن تطالب بحلول… فطالما إسرائيل موجودة، وطالما النظام السوري موجود، يجب أن تقبل بهذه “العيشة” دون اعتراض… أحداث عام 1982، والتمرد الذي جرى في حماه، وانتشر إلى بعض المحافظات السورية، قد زاد الطين بلة، فالعالم يتطور، وتجهد الدول في تأمين سبل رفاهية المواطن، وسلامة وقته، أما سوريا فتحاصرها العقوبات بسبب ممارسات حافظ الأسد الهمجية المعادية للإنسانية التي جرت آنذاك… والشعب السوري يتحمّل، ويعتاد على المعاناة حتى أصبحت جزءاً أساسياً منه، وتحوَّل إلى مخلوق فضائي يستغرب أي شيء يشاهده في دول العالم، ويتساءل عنه ببلاهة…Print

جاءت الثورة السورية وجاء معها تمسك النظام الشره بالسلطة، لتُكَلَّلَ معاناة السوريين، وينقلب مفهوم الرفاهية إلى معنىً جديد لا يدركه إلا السوريون أنفسهم، فالحصول على ربطة خبز بعد ساعتين من الانتظار أصبح رفاهية! وقطع الكهرباء فقط لمدة ست ساعات (متصلة أو منفصلة) أصبح نعمة تمنُّ بها الحكومة على المواطن! وركوب حافلات النقل العام (على الواقف) مع تحمُّل الزحمة داخل الباص وخارجه؛ تستوجب شكر السائق الذي توقف من أجلك جزءاً من الثانية لتندفع إلى داخل الباص، أما الحصول على اسطوانة غاز لمنزلك فهو نعمة من السماء يستنزلها النظام السوري للمواطنين “الأعزاء على قلبه”!…

يحدثنا أبو محمد عن رفاهية غريبة بات يحصل عليها، تتلخص في قدرته على النوم لمدة نصف ساعة متصلة، دون أن يقطعها صوت قذيفة مدفع، أو صريخ أطفال الحي جرَّاء سقوط “الهاون” على منزل جيرانهم، أو صوت انفجار صاروخ في ساحة قريبة…

أما أم زياد فتقول: لقد بات واجب طهي الطعام أمراً قليل التكرار في منزلها (بسبب البطالة التي يعاني منها زوجها، وغلاء الأسعار)، مما أتاح لها مزيداً من الوقت تنفقه في زيارة الجيران، والاستماع لأحاديثهم عن المخاوف من الضربة الأميركية والإجراءات الوقائية منها…

ومع هذا التدرج في الهبوط إلى ما دون مستوى الأرض، الذي يتعايش معه المواطن –مجبراً– ليصبح أمراً طبيعياً فيما بعد، تجد النظام السوري سعيداً بصموده –المؤقت– وكأن لسان حاله يقول للسوريين: “لسا ليصير الموت بالنسبة إلكم رفاهية يا رعاع…”!

 

 

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى