الرئيسية / مقالات / لماذا شاركت في الثورة؟ – خطيب بدلة
لماذا شاركت في الثورة؟ – خطيب بدلة

لماذا شاركت في الثورة؟ – خطيب بدلة

لماذا شاركت في الثورة؟

خطيب بدلة

خطيب بدلة – خاص الغربال

كان أستاذي محمد الماغوط كاتباً ساخراً من فرقه إلى قدميه. يستحيل أن توجه له سؤالاً جاداً ويجيبك على نحو جاد. فمع أنه كان قومياً سورياً أصلياً، أجاب الشخص الذي سأله عن سبب هذا الانتساب بقوله: كنت بردان، عملت جولة على مكاتب الأحزاب الموجودة في السلمية، هذا الحزب، قصدي القومي السوري، لقيت عنده مدفأة، فانتسبتُ إليه!

وكان ثورياً حالماً، ووطنياً من الطراز الرفيع. ولعله كان يسمع بكلمة (الخيانة) فيظن أنها ليست من العربية، أو أنها من حوشي الكلام المنقرض. وبسبب فظاعة فعل الخيانة عنده فقد أصدر كتاباً هدّدنا فيه بالخيانة إذا نحن ثابرنا على التخلف: سأخون وطني!

Print

كان محمد الماغوط رجلاً تحريرياً بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. اعطه ورقة وقلماً، وأبعده عن الأشخاص الذين يشتبه بكونهم مخبرين، وقل له: اكتب. وخذ وقتها على جمل سلسة حلوة مثل العسل، تنثال من قلمه بلا توقف. فإذا لمح مخبراً عابراً -من سفر سنة- سرعان ما ينضرب (دوزانه)، وتعلق نعالُ بغلته في الوحل، فلا يستطيع أولو العزم من الرجال لها فكاكاً.

وهو رجل قليل الكلام الشفوي. قليل المقابلات التلفزيونية. سألوه مرة عن عمل من تأليفه فقال: لا أعرف. المهم أنني كنت صادقاً فيما كتبت. على عكس الدجال دريد لحام الذي قيل له: لماذا تدخن تبغاً أميركياً، ولا تدخن تبغاً سورياً؟ فأجاب على نحو ديماغوجي خبير: العاقل هو من يحرق البضاعة الأميركية، ولا يحرق البضاعة الوطنية!

خطر لي، حينما سألني أحد الصحفيين عن سبب اندفاعي الكبير في الثورة، وخروجي في مقدمة المتظاهرين حينما كانت المظاهرات تتعرض لإطلاق الرصاص الحي عليها. قال لي محاولاً توضيح وجهة نظره: عفواً… أنت كاتب، بإمكانك أن تكون معارضاً وثورياً، ولكن على الورق وليس في الشارع.. وهذا حسبك.

قلت (على طريقة الماغوط): معك حق. ولكن ما جعلني أندفع هو أننا، نحن مثقفي محافظة إدلب كنا نعاني من مخبر وضيع، أصله من جبل الزاوية الأشم.. (على ندرة المخبرين في الجبل).. وكان يجعلنا نذهب إلى فروع الأمن -كما عبرتُ ذات مرة- أكثر من الصالونات (السرافيس) الخاصة بمنطقة المعرة.

وكنا نظن أن هذا المخبر كان يقصر تقاريره علينا نحن الكتاب فقط، تماشياً مع ضرورة التخصص في العمل، باعتبار أنه يحمل لقب شاعر. ولكننا عرفنا، فيما بعد، أنه كان يكتب بعامة الناس، وبالأخص بأبناء قريته.

في بداية الثورة علمتُ أن أهل قريته قد (جَوَّلوه)، وأخذوه إلى مكان سري، وأشلحوه ثيابه، ودهنوا مؤخرته باللون الأبيض، وكتبوا عليها باللون الأحمر عبارة: نحن رجالك يا أسد!

حينما سمعتُ بالحادثة لم أتمالك نفسي من الفرح، والامتنان لأهل هذه القرية العظيمة، فوجدتني أنزل إلى الشارع برشاقة (رغم مفصلي الصناعي)، وأسير مع المتظاهرين وأهتف: الله سوريا حرية وبس!

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى