الرئيسية / مقالات / عقدٌ اجتماعيٌّ أم دولة خلافة: أحمد اليوسف – خاص الغربال
عقدٌ اجتماعيٌّ أم دولة خلافة: أحمد اليوسف – خاص الغربال

عقدٌ اجتماعيٌّ أم دولة خلافة: أحمد اليوسف – خاص الغربال

عقدٌ اجتماعيٌّ أم دولة خلافة

أحمد اليوسف

أحمد اليوسف – خاص الغربال

تروي لنا كتب التراث أنّ نبيّ الإسلام، رسول الرشد، قد أبرم تعاقداً سياسياً اجتماعياً يسمى بصحيفة المدينة. وكان بمثابة دستورٍ مدنيٍّ ينظّم العلاقات الاجتماعية في المدينة المنوّرة جاعلاً من المدينة دولةً وفاقيةً، رئيسها الرسول نفسه، حيث غدت جميع الحقوق الإنسانية مكفولةً، عبر هذا التعاقد، كحق حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر والمساواة والعدالة.

ويقول المستشرق جيورجيو في وصف هذا الدستور المدني:

(حوى هذا الدستور اثنين وخمسين بنداً، كلّها من رأي رسول الله. خمسةٌ وعشرون منها خاصةٌ بأمور المسلمين، وسبعةٌ وعشرون مرتبطةٌ بالعلاقة بين المسلمين وأصحاب الأديان الأخرى، ولاسيما اليهود وعبدة الأوثان. وقد دُوِّن هذا الدستور بشكلٍ يسمح لأصحاب الأديان الأخرى بالعيش مع المسلمين بحريةٍ، ولهم أن يقيموا شعائرهم حسب رغبتهم، ومن غير أن يتضايق أحد الفرقاء.)

وعلى الرغم من عدم تناسب هذه الصحيفة، المرهونة بخصوصية عصرها، مع المجتمعات المعاصرة، فإنها تبقى مناسِبةً لراهنيات عصرها من جهةٍ، وقابلةً لأن تكون، من جهةٍ أخرى، مبدأً كونياً يتجاوز عصره، قائماً على القول بأنّ التعاقد هو أساس الحكم. وقد نتج عن نسيان مجتمعاتنا العربية والإسلامية لمبدأ التعاقد، نشوء سلطاتٍ دكتاتوريةٍ استغلّت مرةً الدين تبريراً لها، ومرةً الأيديولوجيات العروبية. وتمثّل دولة الخلافة الاسلامية شكلاً من ضلالة طريق التعاقد الاجتماعي، وهو الأمر الذي جعل علي عبد الرازق، المفكر الاسلامي المصري، يدعو المسلمين، من خلال الأسطر الاخيرة لكتابه (الإسلام وأصول الحكم)، الى: ” أن يسابقوا الأمم الأخرى، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق (نظام الخلافة) الذي ذلّوا له واستكانوا إليه، وأن يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على أحدث ما أنتجت العقول البشرية، وأمتن ما دلّت تجارب الأمم على أنه خير أصول الحكم”.

ولسنا الوحيدين الذين عايشوا دكتاتوريات الحكم التي تبتلع المجتمع، وتحتكر قراراته، وتصادر حريات أفراده، فقد كانت تجربة سلب الحريات تجربةً عالميةً، استنفد الفكر البشري جلّ طاقته في محاولة الخروج من هاوية النكران السياسي التي تقوم عليها النظم الدكتاتورية، واسترداد الحقوق الإنسانية الأولى: حق المشاركة في اختيار نظام الحكم، وحرية  التعبير، وحق العدالة والمساواة. وتعتبر نظرية العقد الاجتماعي في حقبة الأنوار أفضل ما وصل إليه العقل البشري على هذا الصعيد. ووفقا لهذه النظرية، فإن الدولة (السلطة) قد وجدت نتيجةً لعقدٍ أُبرِم وفق الإرادة المشتركة لأفــراد الجماعة الذين تعاقدوا على إنشاء مجتمعٍ سياسيٍّ، يخضع لسلطةٍ عليا ترعى مصالحهم، إذ أنّ العقد يتولد عنه إرادةٌ عامّةٌ هي إرادة الجماعة، وهي مستقلّةٌ عن إرادة كلّ فردٍ على حدةٍ، و تمثّل سيادة المجتمع وتعبيراً عن هذه السيادة ، ولا يجوز التنازل عنها.

والقاعدة التي تنبني عليها السلطة الاجتماعية التعاقدية هي الحق الطبيعي الذي ينزع قدسية الحكم، ويدرأ تذرّع الحكام الاستبداديين بالحق الإلهي، وتقول هذه القاعدة:« لا أحد يملك الحق الإلهي على حياة الآخرين، وأن الله لم يفوض أحداً لكي يتحكم بمصائر ملايين البشر ويسوقهم وِفْقَ رغباته وأهوائه». إننا أحوج ما نكون اليوم، في زمن ثورات التحرر وتأكيد الذات الكريمة، إلى تعاقدٍ اجتماعيٍّ يضمن لكلّ أطراف المجتمع المشاركة في اختيار نظام الحكم الضامن لحرياتهم الأساسية، ولقيم الاعتراف الاجتماعي السياسي بالخصوصيات الثقافية والعرقية والجنسية، والمرسّخ لقيم العدالة والمساواة. ما من حريةٍ في الدول التي لا تقوم على تعاقد أبنائها، ولا من تقوى في دولٍ تصادر الحريات، باسم الدين والتدين والخلافة ومصيبٌ سبينوزا في قوله: إنّ الحرية لا تمثل خطراً على التقوى أو على سلامة الدولة، بل إنّ القضاء عليها يؤدي إلى ضياعهما معاً.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى