الرئيسية / مقالات / هل استحق خطاب سيد المقاومة صفراً مكعباً… صالح سينَاري
هل استحق خطاب سيد المقاومة صفراً مكعباً…  صالح سينَاري

هل استحق خطاب سيد المقاومة صفراً مكعباً… صالح سينَاري

هل استحق خطاب سيد المقاومة

صفراً مكعباً…

صالح سينَاري

نال خطابُ التعبئة العامة الذي ألقاه السيد حسن نصر الله، في العيد الثالث عشر للمقاومة والتحرير في مشغرة، علامةَ الصفر المكعب وضعها رئيس تيار سياسي لبناني شبه طائفي.

ولما كنتُ لا أعرف المعايير التي اعتمدها مانح الصفر المكعب، حدثتني نفسي بمراجعة نص الخطاب من أجل تصنيف محتوياته في “مواد” مثل برامج المدارس لكي أتمكن من تمحيص كل مادة ومنحها العلامة التي تستحقها.

الخطاب متنوع، لكن مادته الجوهرية وحيدة، فاستثمرت تنوعاته وصنفتها في مواد من أجل تحليلها، مما أعطى نصاً يطابقه شكلا ويفارقه موضوعاً، ولا يتسع له صدر أية صحيفة ولا ظهرها، ناهيك عن إضجار أي قارئ محتمل.

فظروف إخراج الخطاب، وأسلوبه، ولُغته، وفحواه، ومفاهيمه المتصلة بالتكفير والإصلاح (في سوريا) والفظاعة، والنصر– سابقاً ولاحقاً وما يلامس مباشرة مادة الاستراتيجية، جديرةٌ كلها بالتمحيص.

أهتمُ في الخطب المماثلة بسوية صدقها، وانسجامها مع الصالح العام، ذلك أن الزمن الذي اضطرني للاستماع إلى خُطب القادة أو قراءة نصوصها، قد جعلني أُفَضِّلُ خطاب السيد… ديكارت الذي ألقاه في 1637 داعياً كل من يريد التفكير في أي شيء (بما فيها خطب القادة) إلى الشك.

المؤسف أنني لم أسمع بهذا الخطاب إلا بعد اكتوائي “بصراحة” الأستاذ هيكل وتفاسير أحمد سعيد. حتى صرت أراهما في كل خطيب متحمس ومنفعل.

بقي علي، بعد هذا التمهيد، التغلب على حرج الانتقاء من بين “مواد” الخطاب ما يتسع المجال لتمحيصه. فمن أين أبدأ؟ فضلتُ البدء بالجملة التي حركت عصب الشك عندي، وهذا نصها على لسان السيد: إن الموضوع لم يعد موضوع شعب ثائر على نظام، ولا موضوع إصلاحات، لأن النظام جاهز للإصلاح!!

هكذا ألغى سيد المقاومة تضحيات شعب سوريا وعذاباته بكلمة واحدة، ولم يكتف بهذا الظلم الفادح فانتقل فوراً إلي التضليل بقوله إن النظام جاهز للإصلاح، وهو رجل الدين أولاً، فهل هذا يليق به؟

كنتُ كتبتُ صفحات عن نظام الأسرة الحاكمة عندنا ومفهوم الإصلاح عندها، وكتب غيري مطولاً عن الأمر، وبرهن نصف قرن من حكم الاسرة عن أنها تفهم من الإصلاح، استئثارها بالمزرعة السورية دون شريك، لذلك تذكرتُ أحمد سعيد لما جاء ذكر الإصلاح على لسان السيد (بشرنا أحمد سعيد صبيحة الخامس من يونيو 1967، بأن سلاح الجو الإسرائيلي قد أًصبح في خبر كان) بخاصة وأن السيد أضاف: أن سوريا الدولة داعية إلى الحوار.. لكنه صمت عن جدوى الحوار بالصواريخ والدبابات وغاز الأعصاب.

في مادة التكفير: لجأ السيد هنا إلي الابتكار والتجديد، حين جعل الآخر السني تكفيرياً. فخلصنا من ثنائية شيعي سني التي مللناها، وقدَّم صيغة جديدة للاقتتال: تكفيري– تحريري، مما يؤهله لنيل علامة جيدة في المادة. وهو وصف العقل التكفيري بالوباء، وهذا صحيح، لكنه حصر انتشاره في تونس وليبيا وتناسى مصر وإيران، وتركهما يتغازلان بهدوء. كما تجاهل أن التكفير اليوم خرج على معناه الديني العتيق، وأصبح يستخدم لإدانة كل رأي آخر في السياسة والاقتصاد والفن والرياضة وفي غيرها. وهذه هواية تمارسها الجماعات المنغلقة كلها، ومنها “حماس” و”الجهاد” والسلفيون… و”حزب الله” الذي احتكر اسم الجلالة دون استئذان أحد، فكفر تلقائياً كل من لا ينضوي تحت راياته، وبلغ به الاستكبار تكفير كل من لا يؤمن بقداسه شعار: الشعب والجيش والمقاومة، على فراغ الشعار استراتيجياً، وأضفي صفة القداسة على بواريده ورشاشاته وصواريخه فإن خالفه صوت أخرسه، أو امتدت إليه يد قطعها.

مادة الوحشية. قال السيد: إن حزب الله لا يمكن أن يقف في جبهة نابشي القبور وشاقي الصدور وقاطعي الرؤوس، متجاهلاً بخيلاء من أخذته العزة بالإثم، نوعيةَ الحليف الذي يقاتل معه في سوريا، ولا حول ولا قوة إلا بالله… وبحزبه.

إن الوحشية وتوابعها وتجلياتها مرفوضة قطعاً، والجرائم التي نوه بها تضعه في صف من قال : َقتلُ امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تُغتفَر- وقتْلُ شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نَظَرْ.

أتجاوز الآن عدداً من المواد الثانوية لكي أفسح في المجال أمام حديث الاستراتيجية وما يتصل بها من مفهوم النصر الماضي والقادم مجدداً، وهما من النوع الإلهي حتماً.

قال السيد: “إذا سقطت سوريا في يد الأمريكي والإسرائيلي والتكفيري، وأدواتها في المنطقة، ستحاصر المقاومة وسيعاد لبنان إلي العصر الإسرائيلي.

لم أفهم حشر التكفيري هنا بين الكفار في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، فهذا التكفيري الظريف تُهدم مساجده وتُداس مصاحفه وتقتلع مآذنه بقذائف الدبابات، بأوامر من التحريري الأول في المنطقة، ولا يدري السيد– وهو رجل دين– أنها بيوت الله، ويثيره تهديد غامض لمقام واحد فينبري إلى الميدان بقوات النخبة يسفك دماء التكفيرين ويريدنا أن نبتلع هذا الكلام الذي لم  أجد له نعتاً ملائماً.

ها قد خرجت عن موضوع الاستراتيجية دون قصد، فلأعد إليه.

لما أعلن التحريري الأول في سوريا فتح جبهة الجولان أمام المقاومة (كما تجلت في تحرير جنوب لبنان) وسمعتُ بالنبأ، قلت لنفسي غداً سيسارع حزب الله إلى الاستفادة من حدوده المشتركة مع الجولان ليبدأ تسرب المجاهدين الحزبيين من مزارع شبعا وأطرافها لكي يتصدوا لرأس الأفعي الذي يحتل الجولان، لكن المفاجأة جاءتني من وجود مقاتلي الحزب في مجزرة داعل، ثم غزوهم منطقة القصير بكثافة، وهذا يعني بأن السيد لم يصدق إدعاء حليفه التحريري، وفضل التصدي لذيل الأفعي في القصير لا لرأسها في الجولان.

لن أتوقف عند قول السيد: إذا سقطت سوريا بيد الأمريكي والإسرائيلي.. إلى أخره ، لا لأنها لم تخرج من يديهما– وهو أدرى بالخفايا– بل لأن المسألة بحاجة إلى كتاب ضخم لجلاء غوامضها.

مفهوم النصر. قال السيد: هذه المعركة، كما كل المعارك السابقة، نحن أهلها ورجالها وصناع انتصاراتها، وأكرر أمامكم كما كنت أعدكم بالنصر دائماً أعدكم بالنصر مجدداً.

استثمر السيد غموض مفهوم النصر في الحروب بعامة، فتناسى أنه يقاتل جيرانه علي تخوم حمص، لا أعداءه في الجولان، ولا في الجليل. ثم تناسى نتيجة مهمة لأي نصر عسكري، وهي أنها تتيح للمنتصر حرية الحركة حتى على الصعيد “المالي”. فهذا القائد الذي تمنى يوم أطلق رجاله إلى القصير، أن يشاركهم المعركة، لم ينتبه إلى أنه خاطبهم من وراء حجاب سميك، وأن حضوره بينهم هو حضور افتراضي، لأنه وهو “المنتصر”  في 2006 فقد حرية الحركة شخصياً حفاظاً على حياته، وأنه لا يتمكن من الحضور الفعلي بين مقاتليه، متجاهلاً تأثير وجود القائد “المحبوب” على معنوياتهم. بينما (يعنطز) المهزومون الإسرائيلون، ومنهم من ارتكب جرائم ضد الإنسانية، شرقاً وغرباً، لا في فلسطين المحتلة فحسب.

فما هو الفارق بين النصر والهزيمة في هذه الأحوال؟ وهل كنت تتوقع يا (سيد) بعد النصر الإلهي في تموز 2006 أن تبقى سنوات– لا غائباً– بل مغيباً نتيجة لهزيمة أعدائك؟

أرجح أن (السيد) سينتصر في القصير كما تبدو الأمور حالياً، وقد يدخل مجاهدوه حمص دخول الفاتحين، فهل لنا أن نرجوه ألا يأمر بنبش ضريح– التكفيري- ابن الوليد فيها، وألا يأمر بهدم المسجد الذي سيحتمي فيه التكفيريون والتكفيريات حتماً..

ولكنني أستأذن السيد- وأنا أوجز حديث النصر في خطابه- بنقل الموضوع إلي الصعيد الأدبي، لأنوه بهذا البيت الجميل من الشعر من قصيدة للشاعر الراحل (بدوي الجبل) محمد سليمان الأحمد كتبها في أيار 1952:

لِقِطافِ الوغى شمائلٌ كالناسِ            فنصُرٌ وغدٌ ونصرٌ نبيلُ

هل هناك ضرورة لوصف انتصار السني علي الشيعي أو انتصار الشيعي علي السني بأنه النصر الوغد، وانتصارهما معاً على المشروع الصهيوني هو النصر النبيل ؟ فعلي أي جانبيك تميل؟…

هامش: إذا رغب السيد في الحصول على نتائج تمحيص مواد الخطاب كلها، فليراسلني إلي إدارة مخيم الزعتري وهي كفيلة بالعثور علي.. بين نصف مليون تكفيرية وتكفيري وتُكَيفيري سوري، ممن يتمتعون بثمرات إصلاحات النظام، ويستعينون على مرور الزمن بالحوار المستمر مع موفدي النظام– والمعارضة– القادمين للاطمئنان على دوام عوزهم- عفواً عزهم-  وتمسكهم بالتكفير.. إلى الأبد.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى