الرئيسية / مقالات / ذهنية الأمجاد الغابرة – أحمد اليوسف
ذهنية الأمجاد الغابرة – أحمد اليوسف

ذهنية الأمجاد الغابرة – أحمد اليوسف

ذهنية الأمجاد الغابرة

أحمد اليوسف

أحمد اليوسف – خاص الغربال

“فتح أجدادنا العالم من الهند حتى الأندلس في أسبانيا ولو عدنا إلى نهج الأجداد لكنا في مقدمة الأمم”، هكذا كان يقول لنا الشيخ عبد الرحيم في كل حصة من حصص الدراسة في زمن محنة خدمتنا القسرية في المدرسة الحكومية. ولم يكن يحدثنا أستاذ التربية الدينية سوى عن أمجاد الفتوحات العسكرية. وحين سأله طالب من الطلاب عن أمجاد الأجداد الأخرى غير تلك التي سطّرها حاملو السيوف وراكبو الخيل، أجاب الشيخ الجليل، الذي لم يقرأ كتاباً واحداً في العلوم، بالقول: سأترك لكم أن تكتبوا مواضيع عنها للأسبوع القادم. وحين عرضنا عليه ما اخترناه كمواضيع حذف كل ما يتعلق بالفلسفة والفن والأدب تاركاً لنا جانب الانجازات العلمية كي نكتب عنها معقباً بالقول: ابتعدوا عن الفسق واكتبوا عن الأمجاد فقط.

ذهبنا على إثر ذلك في رحلة بحثية طلّابية جماعية إلى المركز الثقافي في مدينة إدلب ننبش في الكتب بحثاً عن أمجاد الأجداد. فجعتنا كتب السيرة والتاريخ التي تتحدث عن ذبح الأجداد للأجداد وعن هدمهم، في صراعاتهم السياسية فيما بينهم، لبيت الله الحرام في مكة المكرمة. وفجعنا تاريخنا المملوء بالفتن والحروب والصراعات وقتل العلماء وحرق كتبهم وحتى أنه ينقل عن أبي حيان التوحيدي أنه حرق كتبه بنفسه لاعناً جهالة عصره وخوائه الثقافي. وفي حال يأس قال موسى وهو الأول على دفعتنا: خلونا نروح على المركز الثقافي في حلب لأنه مليان كتب عن أمجاد العرب. وحدي أنا من خلّص موسى من محنة اليأس حين أخذت أحدثه عن ابن الطلسمي البغدادي وعن انجازاته العلمية. فقد كرسّ له المستشرق البريطاني عبد الرحمن العجمي الذي اعتنق الاسلام على إثر اطلاعه على مخطوطات وكتب ابن الطلسمي، كتاباً خاصاً يعرض فيه أهم أبحاثه واكتشافاته ومنها اختراع الكهرباء. وقد ختم العجمي كتابه بجملة تختصر مدى إعجابه بابن الطلسمي، سابق عصره ومغيّر عصرنا، حيث يقول: ما من شيء في العلم المعاصر إلا ونجده في كتب ابن الطلسمي فكل اكتشافاتنا في الفيزياء والكيمياء والرياضيات والطب وفي الصناعة إنما ندين بها جميعها لما قدمه ابن الطلسمي في عصر الدولة الإسلامية، ولولا وقوع كتبه بين أيدينا لبقينا نحن الغرب نعيش في بحر من الظلمات. للأسف إن كتاب العجمي لم يترجم إلى اللغة العربية وسحب من الأسواق كي لا يحدث ضجة عالمية بكشفه عن سرٍّ حرص الغربُ على إخفائه؛ وهو سرقتهم لكتب العرب واكتشافاتهم ونسبها لهم.

Print

وحين روى موسى في الأسبوع التالي قصة ابن الطلسمي كان الشيخ عبد الرحيم يصول ويجول في القاعة زهوا وكأنما يرقص في مولد. بارك الله بك يا موسى، هكذا قال الشيخ وهو يطبطب على كتف موسى الذي أطربنا جميعاً في حديثه عن أمجاد العرب المسلمين. وفجأة تحوّلت الكهرباء بالنسبة لشيخنا عبد الرحيم إلى اكتشاف إعجازي وحدث تاريخي غيّر مسار التاريخ، وإلى دليل محسوس ملموس على فضائل العرب على الإنسانية جمعاء. لا أخلاق ولا قيم لمن لا يعترف بقيمة إنجازٍ كهذا، هكذا عقّب الشيخ. ثم استفاض شيخنا في ذمّ الغرب الناكر للجميل المتآمر على ديننا وعلى حضارتنا وعلى أمجادنا التي ملأ نورها الأرض من أقصاها إلى أقصاها خاتماً بالقول: والله لن تقوم لنا قائمة إلا إذا عدنا إلى نهج الاجداد في وحدة صفهم وقوة عزيمتهم وإيمانهم الخالص بربهم.

ومشكلة شيخنا، الذي يؤمن بالتواتر كنهج علمي مسلم بصدق النقّال دونما محاكمة عقلية، أنه صدّق قصة ابن الطلسمي التي لم تكن إلا من اختلاقي أنا! ومثلي في هذا كمثل من ألّف أحاديث في بركة شرب بول البعير وفضيلة إرضاع الكبير.

بقي شيخنا إلى آخر السنة كلما أراد أن يمتدح طالباً يقول له: والله إني لأرى بك طلسمي عصرك. وكونه لم يكن باستطاعتي أن اعترف بالقول أنه ما من طلسمي في تاريخنا المملوء بالأمجاد وأني أنا من اخترع قصته وأن مكتشف الكهرباء إنما هو كافر من كفّار الغرب واسمه توماس إديسون، اكتفيت، كإجابة على إدانات شيخنا للغرب في تساؤلاته الناقدة المدينة الساخطة التي لم تجد نقطة بيضاء في تاريخهم ولا إنجازاً إنسانياً ولا قيمة أخلاقية نبيلة تذكر لهم، بالقول: إنهم دعاة حرية وتحرر. فجأة خرج شيخنا عن طوره ضارباً الطاولة بقبضة يده صارخاً في وجهي كمن يسترجع أمجاده: قلتلي حرية؟ قيم الفسق والفلتان والإباحة الأخلاقية! حرية وتحرر! أي طز… طز… طز…

علق على هذا المقال

2 تعليقان

  1. يعني في فسحة امل في حياة العرب.

  2. العمل الجيد رسالة نبيلة

live webcam girls
إلى الأعلى