الرئيسية / مقالات / الطائفية وما أدراك – المخرج: هيثم حقي
الطائفية وما أدراك – المخرج: هيثم حقي

الطائفية وما أدراك – المخرج: هيثم حقي

الطائفية وما أدراك

haysam7akki

 

 

المخرج: هيثم حقي – خاص الغربال

 

خلال عدة حوارات ومساهمات صحفية عبّرتُ عن رأيي في القضية الطائفية. يتلخص هذا الرأي في أن «كل الطوائف عموماً طائفية»، أي أنها تتعصب لمشاركيها في المعتقد أو الانتماء.

نما، في سورية خلال أربعين عاماً تقريباً، «داءُ الطائفية» رغم محاولات نظام الاستبداد تغليفه بأغلفة ملونة، قومية واشتراكية وصامدة ومتصدية وممانعة… وانعكس هذا في المراتب العليا في الدولة وفي الأوساط الأكاديمية، وفي النكتة الشعبية، وحتى في لهجة السلطة في الدراما التلفزيونية. ويقوم هذا الأمر على تفضيل المنتمي إلى طائفة معينة في البعثة أو المنصب على المنتمي إلى طائفة أخرى، من دون النظر لعامل الكفاءة.

انتهز هذه الحال بعضُ صيادي الفرص من مختلف الطوائف فأقاموا تحالفاً غير معلن يسلّم بأحقية أبناء طائفة السلطة بالشراكة الاقتصادية، فنشأت فئة مداهنة -لكنْ مستفيدة- من كل الطوائف، تحمي مصالحها بواسطة العلاقة مع السلطة، ما ساهم بانتشار كبير للفساد مع غضّ النظر عن تغلغل «داء الطائفية» في جسد النسيج السوري.

إن الخطر الذي يهدد سوريا في انتقالها من نظام الاستبداد إلى النظام الديموقراطي المدني التعددي هو نظام المحاصصة الطائفية (كالنظامين اللبناني والعراقي) الذي يستفحل فيه «داء الطائفية» رغم أنه يظهر بلبوس ديموقراطي مزيف، فعلى رغم ادعاءات الديموقراطية، تقوم الطوائف والإثنيات بتوزيع مناصب الدولة وفق حسبة عددية، فتأخذ الطائفة الأكبر المنصب الأكبر، ثم الطائفة أو الفئة الأصغر… وهكذا، حتى المرأة يصار إلى تزيين السلطة ببعض ممثلاتها.

إن نشر روح التسامح بين الطوائف يحتاج حقاً إلى النظام المدني التعددي بتداول للسلطة وبمواطنة متساوية أمام قانون يعدَّل ليصبح عادلاً، ويفصلُ بين السلطات، واستقلال تام للقضاء، وحرية تامة للتعبير، ولتشكيل الأحزاب، لا تحدها سلطة سوى سلطة قوانين القضاء العادل.

عندها فقط تصبح الأقلية والأكثرية سياسية، وليست فئوية أو طائفية أو إثنية أو جنسية (رجل وامرأة)، بمعنى أنه يمكن لمن ينتمي لأية أقلية، مهما صغر حجمها، أن يكون جزءاً من أغلبية سياسية. وأمامنا مثال باراك أوباما، المنتمي إلى أقلية الأميركيين من أصل أفريقي، انتخب رئيساً للدولة التي يشكّل البيض فيها الأغلبية، كونه ينتمي لأغلبية سياسية حزبية هي الحزب الديموقراطي.

والأمثلة في الديموقراطيات كثيرة، ومنها سورية الخمسينات، فقد سمح نظام سورية الديموقراطي عام 1954 بانتخاب مسيحي هو فارس الخوري للمنصب التنفيذي الأهم في الدولة السورية حينها: رئاسة الوزراء، وذلك بتوافق أكثرية برلمانية مكوّنة من ائتلاف حزب الشعب ويمين الحزب الوطني وبعض المستقلين.

وهكذا، عندما تتحوّل المنافسة على إدارة الدولة من المحاصصة البغيضة إلى منافسة بين أحزاب تقدّم برامج «دنيوية» يلتفّ حول كل منها مواطنون من كل الطوائف، لا يعود مهمّاً الانتماء الفئوي، بل الانتماء لمبادئ وأفكار وبرامج عابرة لهذه التقسيمات..

إن سورية التي تعيش مأساة القتل والتدمير، والتي خرج شعبها منذ عامين في تظاهرات سلمية مطالباً بالحرية وتغيير نظام الاستبداد إلى نظام ديموقراطي تعددي يحفظ كرامة المواطن ويُعلي قيمة المواطنة، يتهددها اليوم استفحال «داء الطائفية»، والخروج بعد كل التضحيات إلى نظام المحاصصة الطائفية البغيض.

أيها السوريون الشجعان، انتبهوا ولا تضيّعوا البوصلة: «سورية بدها حرية»، أي سورية بسوريين أحرار، سورية لكل مواطنيها.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى