الرئيسية / مقالات / أزمة الهويات الناجزة – أحمد اليوسف أحمد اليوسف – خاص الغربال
أزمة الهويات الناجزة – أحمد اليوسف  أحمد اليوسف – خاص الغربال

أزمة الهويات الناجزة – أحمد اليوسف أحمد اليوسف – خاص الغربال

أزمة الهويات الناجزة

أحمد اليوسف

أحمد اليوسف – خاص الغربال

قد لا نكون الوحيدين في العالم الذين يعانون من أزمة في الهوية، ولكننا نكاد نكون الوحيدين الذين يقدمون إجابات حول هذه المشكلة الإشكالية، دونما المرور بمرحلة التساؤل والتحليل والتشخيص. وأزمة الهوية في العالم العربي والإسلامي، على وجه العموم، وفي سوريا، على وجه الخصوص، ليست وليدة اليوم؛ بل هي مشكلة تعاود الظهور في كل منعطف تاريخي تعيشه تلك البلدان؛ وليس الربيع العربي الذي نعيشه اليوم استثناء في هذا. وقد عايش عالمنا العربي الإشكالية نفسها في القرن التاسع عشر، وتوزعت الإجابات حول نوعين من الحلول. فواحدة طرحت فكرة العودة إلى الدولة الإسلامية، وأخرى حاولت ان تؤسس الهوية على أساس القومية العربية. وقدم الطرح الإسلامي نفسه كإجابة على التساؤل القائل: لماذا تخلفنا نحن، وتَقدم غيرنا؟ واختلف الداعون للدولة الإسلامية حول أسسها وطبيعتها، فهناك من دعا إلى حكومة ثيوقراطية تحكم باسم الله، إذ لا حكم إلا لله مصدر الشرعية والتشريع الوحيد؛ بينما دعا آخرون إلى حكومة إسلامية تستمد شرعيتها من الشعب(الأمة). ولم يقدم الداعون إلى الدولة الإسلامية – لا في مرحلة النهضة ولا بعدها – قراءة نقدية لتجربة الدولة الإسلامية السابقة التي يريدون العودة اليها؛ ومن الواضح أن تلك الدولة لم تكن نموذجاً مثالياً يُحتذى، ما دامت تلك الدولة قد انهارت وتلاشت. واستندت مجمل القراءات الداعية للدولة الإسلامية إلى صورة أسطورية خرافية لدولة الخلافة، وفي سبيل تجميلها، تم التغاضي عن كل عيوبها ومثالبها. فأسلافنا، كما يقدمهم التاريخ لنا، مختلفون في تساؤلاتهم حول كيفية بناء الدولة وشكلها ومشروعية الخلافة، لدرجة أن شخصاً كعمر بن الخطاب (عليه السلام) وصف بيعة ابي بكر ﺑـ “الفلتة”. وكان تاريخ الخلافة تاريخ صراع دموي، بدأ من صراع الخليفة علي (عليه السلام) مع معاوية بن أبي سفيان، مروراً بالمعارك الطاحنة التي دارت بين الأمويين والعباسيين، والتي انتهت بقيام العباسيين بقتل الأمويين عن بكرة ابيهم، وبنبش قبورهم وبتعليق جثثهم على الصلبان. وقيل إن الخليفة العباسي الأول (ولقبه السفاح!) ذبح على وليمة كل من دعاهم من الأمويين، قائلاً بأنها الذ وأجمل وجبة يأكلها في حياته. وعلى الرغم من كل هذا والكثير مما يماثله أو يشابهه، لا يقدم الإسلاميون نقداً يذكر لكل سوادية الخلافة، بل ينظرون إلى هذا التاريخ بمجمله على أنه امجادٌ يجب استعادتها! وينبغي على الدعوة التي ترى مرجعيتها في الماضي أن تقدم قراءة نقدية لماضيها، لا أن تغمض العين عن كل سلبياته، وخصوصا إذا عرفنا ان هذه الدعوة تنسب نفسها إلى دين (الإسلام) قام بقطيعة مع ذهنية الماضوية والأسلاف، مؤسساً لثقافة الرشد والراهن والراهنية. وعلى خلاف مرحلة النهضة، فإن معظم حَمَلة مشروع الدولة الدينية اليوم هم في رجال دينٍ، بالمعنى الكهنوتي للكلمة (شيوخ)، لا رجال فكر ولا أصحاب أطروحات فكرية؛  فلا قراءة نقدية ولا مشاريع سياسية، بل يكاد يقوم جل عملهم على ليّ الفكر في توجهه من المستقبل إلى الماضي في صيغة تقول: دعونا نعود إلى ماضي أجدادنا، نفكر كما فكروا، ونفعل ما فعلوا، ونعيش كما عاشوا، لنبلغ المجد الذي بلغوه. إن فكراً قائماً على لامشروطية حقائقه المطلقة، حتى في أصغر تفاصيلها، وعلى نبذ النقد أو تكفيره، لأنه ينتهك مقدساته – لا يمكنه إلا أن يقفز فوق مرحلة التساؤل والتحليل. والفكر الذي يغيب عنه النقد يصادر حتى على نفسه، ليتحول، في حالة استفحاله، إلى مَرضٍ يقتل الاسئلة ويغتالها، بدل تقديم الإجابات لها. فلا أسئلة الهوية قابلة للطرح، ولا أسئلة القيم الاجتماعية ولا السياسية، ولا حتى الفردية، قابلة للمناقشة؛ فكل شيء موجود مسبقا في نموذج قديم علينا العودة اليه في نهج من المحاكاة، لا عبر نهج من التساؤل. ويمكن لنهج العماء المحاكاتي هذا أن يفسر لنا، على الأرجح، تخلفنا وذوباننا الدائم في هويات لا تمثّلنا، في حالة اقرب ما تكون إلى وصف المفكر الإسلامي مالك بن نبي لها في مصطلحه الشهير ﺑ “قابلية الاستعمار”، أو إلى وصف علي شريعتي لنفس المشكلة ﺑ “قابلية الاستحمار”.

ولم يختلف اصحاب الهوية القومية العربية، من حيث الجوهر، في أطروحاتهم، فكم هي غريبة تلك التقاطعات التي تجمعهم بالمشروع الإسلامي! فعلى الرغم من اختلاف المصادر والتطلعات، إلا أن البنية الذهنية تكاد تكون واحدة في اعتمادها المفرط على المخيال الاجتماعي في نسجها لتاريخنا العربي، وكأنه لحمة من التآخي العائد إلى بدء البشرية في وحدة الدم واللغة والمصير. وفي أصباغها القدسية على أطروحاتها في رسالتها الخالدة وفي موقفها ممن هم خارج دائرة انتماءاتهم. فالهوية العربية تحشر الاكراد والآشوريين والإثنيات الاخرى بالهوية العربية، دونما أن تشركهم بصياغة تلك الهوية، تماماً كما يحشر الإسلاميون كل من هو غير اسلامي. وكما ينظر الإسلاميون إلى الدولة بوصفها جزءاً من كل، كذلك يفعل القوميون بجعلهم الدولة قطراً غير معترف به إلا بوصفه كياناً ناقصاً غير مكتمل، طالما أن الوحدة لما تتحقق بعد. وتمتد حالة النكران واللااعتراف لتشمل افراد المجتمع انفسهم في انتمائهم لهوية غير مكتملة، حتى لا نقول ناقصة. وكما أن النقد يعتبر تشكيكاً وكفراً في الطرح الإسلامي، فهو عمالة وخيانة في الطرح القومي العربي. وليست “قابلية الاستحمار” في الطرح القومي أقل من مثيلتها في الطرح الإسلاموي، فكلاهما يفضي – عبر حرمان افراد المجتمع من المشاركة بصياغة قراراتهم المصيرية ومنها مسألة الهوية، وعبر قمع النقد والاختلاف والتعددية – إلى تفريغ ثقافي اجتماعي سياسي، يجعل البلد برمته مفتوحاً على تأثيرات الخارج الذي يعاديه. وأكبر قاسم مشترك بين كلا الطرحين هو عدم اعترافهما بالفشل أو حتى بمجرد إمكانيته: فيمكن أن يفشل الواقع ولكن لا تفشل التجربة.

الجديد الذي طرحته الثورة السورية، والذي تتميز به عن الطرحين السابقين، هو أن الشعب، الذي كان مغيباً في كل اطروحات الهوية السابقة، العروبية والإسلامية، أخذ يطرح، بنفسه هذه المرة، مسألة الهوية؛ بل وبدأ يقدم أحياناً اجابات محتملة. فقد رفع في بلدة صغيرة تلقب بضمير الثورة واسمها “كفرنبل” لافتة كتب عليها: “الجمهورية السورية”، لتثير هذه اللافتة تساؤلات شعبية حول كيفية وسبب اسقاط مفردة “العربية”. بدأ سؤال الهوية يأخذ شكلاً جديداً مختلفاً، إذ أصبح تساؤلاً شعبياً، لا مجرد طرح مفكرين، وصار ينطلق من مصلحة الناس ومن تعاقدهم، ويراعي اختلافاتهم بوصفه انتماءً يجمع المختلفين، وليس انتماء يفرض عليهم. المفكرون هم الطرف الوحيد الغائب اليوم عن طرح مشكلة الهوية، اذ لازالوا حبيسي الأطروحات القديمة التي سقطت مع سقوط الصمت الشعبي الذي استطاع بلافتةٍ واحدةٍ أن يقرب عامودا “الكردية” من كفرنبل “العربية” في هوية “سورية” هي في طور التكوين.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى