الرئيسية / مقالات / معاركي الطفولية والنضال التربوي لبعثي عتيق: واقعة سرقة الحذاء – أحمد اليوسف
معاركي الطفولية والنضال التربوي لبعثي عتيق: واقعة سرقة الحذاء – أحمد اليوسف

معاركي الطفولية والنضال التربوي لبعثي عتيق: واقعة سرقة الحذاء – أحمد اليوسف

معاركي الطفولية والنضال التربوي لبعثي عتيق: واقعة سرقة الحذاء

أحمد اليوسف – خاص الغربال

 أحمد اليوسف

لم أكن في صغري أحب كتابة وظائفي المدرسية لهذا كنت أكلف أمي بتلك المهمة. ولم تكن أمي الأمية شاطرة إلا بنسخ الكلام حرفياً عن الكتاب. وحدها مواضيع التعبير ما كنت مضطراً لكتابته بنفسي.

قال لنا أستاذ اللغة العربية جمال إنه علينا أن نكتب موضوعاً عن ميلاد حزب البعث العربي الاشتراكي وحدد لنا الخطوط العريضة لهذا الموضوع ضمن جمل صيغت بمثابة المفاتيح الأساسية للنص. منها على سبيل المثال كيف انقض البعث على الاقطاع. وكان أستاذنا جمال بعثياً عتيقاً يعيش بعثيته ككل البعثيين عبر الحط من الأحزاب الأخرى: لينين لوطي وكل الشيوعيين لوطيين، هكذا كان يقول الأستاذ جمال عن الشيوعيين. كان زوج خالتي الناصري الانتماء يقول: ما حدا لوطي غير البعصيين، ويقصد البعثيين. ولم أكن شخصياً أعرف عن البعثيين شيئاً فلجأت إلى والدي الذي وصف ساخراً انقضاض البعثيين على الاقطاع بأنه كالكلاب المسعورة. اعتبرت الوصف مدحاً فسجلته تماماً كما قيل. وحين وصلت في سردي التعبيري عن أمجاد البعث إلى طريقة انقضاضهم على الاقطاع انتفض الأستاذ جمال وكأنما قرصته عقرب: يخرب بيتك، كلاب مسعورة يا كلب! بعد انصراف التلاميذ أخضعني الأستاذ إلى عملية تحقيق في سبيل معرفة من علمني تلك الجملة. وبعد شدّ شعر وفرك أذن وكفوف تأتي دائماً من اليسار إلى اليمين في حملة تعذيب عقائدية أطلق الأستاذ سراحي. ولو استمر في تعذيبه لي دقيقة إضافية لنسبت الجملة تلك لأمي التي هددتها أكثر من مرة بأني سأكتب بها تقريراً. لم أجد وسيلة، سلمية أو عنفية، أثأر بها لنفسي حتى روت لي جدتي عليا قصة كلبها نجرو الذي كان يسرق أحذية أهل القرية فانتهى به المطاف بأن مات مقتولاً وقيل إنه اغتيل لأسباب سياسية لأنه سرق حذاء المختار. فقررت سرقت حذاء الأستاذ. كان كل أهل القرية يجتمعون في المسجد في صلاة الجمعة ما عدا الشيوعيين الذين كانوا يمرون، جكارة، من أمام المسجد لحظة خروج المصليين. طبعاً كان هذا قبل انهيار الاتحاد السوفيتي وتحولهم المفاجئ إلى حجاج بيت الله الحرام وإلى شيوخ يصلون في الصفوف الأمامية. وكان البعثيون حريصين مثابرين على الصلاة في سبيل كتابة التقارير المخابراتية فقد كتبوا تقارير سياسية أكثر مما كتب الشعراء العرب في الحب العذري. ما إن ركع الناس في صلاتهم وركع الأستاذ جمال مع الراكعين حتى خرجت في غفلة منهم حاملاً حذاء أستاذنا البعثي. دفنت الحذاء في حفرة في حقل بعيد تماماً كما يدفن القاتل جثة ضحيته.

أتى أستاذنا في اليوم التالي إلى المدرسة بحذاء أكثر جودة وكأنما يتحدى بذلك مؤامرة حيكت من قبل الأحزاب الأخرى. في الجمعة التالية كررت العملية رغم حذر الأستاذ والتفاته الدائم عن القبلة إلى مكان حذائه. هكذا جاء إلى المدرسة بعد واقعة سرقة الحذاء بصندل يشحطه شحطاً كانسحاب جيشنا الباسل في نكسة حزيران. وتغيب بعد ذلك عن مهمته الأمنية الحزبية في صلاة الجمعة.

كنت من حين لآخر أرمي فردة من أحذيته التي أمّمتها في ساحة المدرسة في حرب نفسية باردة كي أنال من عزيمته التربوية الأستاذوية. أزعجني توقفه عن صلاة الجمعة فنشرت إشاعة تقول إنه أصبح شيوعياً وحينما شعرت أنها لم تصله، سألته مباشرة عن مصداقية تلك الإشاعة. أنا أصير شيوعي؟ هكذا أجاب بامتعاض واستخفاف من الشيوعية. ما ناقص إلا يقولوا إني صرت من الأخوان كمان! هكذا أضاف. وحين سألني عن مصدر الإشاعة أجبت بأنه (الكل): الكل عميقول هيك. والكل هذا هو دائماً مصدر الإشاعات في قريتنا.

دخل الأستاذ في الجمعة التالية المسجد دخول من فتح الأندلس ونسي حذره ليتقدم إلى الصفوف الأمامية مطيلاً في وقفته وكأنه يريد من الجميع أن يرى ويشهد عودته. لم يكن صعباً عليّ سرقة حذائه بعدما نسي هو في مجاكرته السياسية حذاءه وراح يصلي في الصفوف الأمامية سابقاً حتى إمام المسجد. ومن يومها ذاك لم يعد أستاذنا إلى المسجد وانتشرت إشاعة تقول بأنه يكتب حجب (جمع حجاب) ليسحر به حماته فصدقها الناس، لطالما لا يستبعد عن البعثيين أي شيء وكرهته القرية كلها حتى أقاربه. وأقسم بالله وبصلاة أبي وبرأس أمي أني لم أكن أنا من نشر الإشاعة تلك.

وحين طلب منا أستاذنا البعثي الجديد،الذي حلّ مكان الأستاذ جمال، كتابة موضوع عن الحركة التصحيحية قلت فيه ما قلته في حزب البعث عن انقضاض القيادة على الفساد كالكلاب المسعورة، لاعترف، زوراً طبعاً، من أول كف أكلته نتيجة صراحتي، أن الأستاذ جمال هو من علمني هذا الوصف. معقول!، هكذا سألني. كاتب حجب ما بستبعد منه شي، هكذا أضاف قبل أن يطلق سراحي لأنتظره الجمعة التالية في الصفوف الخلفية تماماً بجانب مكان الأحذية.

كندا 9/4/2013

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى