جرح…

جرح…

جرح

088757_2009_03_18_09_12_45

الروائي: عبد العزيز الموسى

­­

 

الأحمر النازف ميعاد الجرح، وميعاد العين البكاء، وميعاد القلب أن يظل راجفاً بالحنين.

اعتباراً من اللون الأحمر، الأحمر الغامق ستتحدّد الجهات وتتحدّد حواف الدروب وقزحية العين الرمداء. اعتباراً من الزمان واعتباراً من المكان واعتباراً من سفاهة المآل وجند الموت الراكض في صدورنا سنكتشف نكهة أخرى، نكهة حمراء داشرة على مزابل البشر والجراد الذي يهب مع البلاء الواقف فوق رؤوسنا بالدمع والبكاء النبيل.

ما وقع لن يمر على دفاتر الزمان ولا على شغاف الروح ومسارب اللهفة المتمشية تحت خشبات الصدر القاحل المضنى بأنفاس متعبة تتقطع بالزحف واللهاث، تعطل الوقت العامر بالأمل وتعطل الشوق وتعطلت مهارشة اللهفة المتروكة وراء حائط الأيام والصبوات المخضلة بالنعاس الطري الخام اللأبد تحت الجفن وحدقة البال المشوشة بحسابات العاطلين عن الحلم.

ريح هوج تهز الخاطر بعنف، يميل كل شيء، ينحني ثم يستقيم، عزيف يخمش جدران النفس، يسيل الدم على جنباتها تشتعل، أبحش تحت الجمر لا أقبض إلا جناحاً مقصوفاً مهيضاً وقلباً بارداً تهتكت أسراره وخاب مسعاه عبر سنتين من السواد والقحط. سواد وملح دامع يسقي وروداً ميتة وأصداء خاوية لا ترد، صمت أبله يتلوى باللوم والعجز ويغلّ في حواف الروح الذبيحة، دموع خرساء لا تطالها الأنداء الرضية، شيبة تهوي لعتمة الوعد الكسير، وخلوة الحزن الثقيل، إغفاءة الموت تتعثر بتهاويل تربض على مداخل النفس، أوجاع تنتفض بوهج السكاكين الباصة في حدقة العين المعماة بأسراب البوم الغاربة عن دنيا لم أذق حليبها الساخن. على حافة نبعة البقاء تربص الوصب وانفلتت درجات القدرية الزلقة من تحت الأقدام، تلاشى الكون وغام، أنتظر قرعاً على بوابة حيرتي الساغبة، لا يد امتدت ولا أنا قادر على مزاولة الاصطبار والسكوت في غربتي المهيبة، يصغر الكون، يصغر على أمل أن يلج من ثم الخاطر الطعين، يشرق الوجع تحت أفياء الضلوع سعياً عن بقعة أمل أتلحف بها، شوك ودم كل ما أرى وقلب متكاسل الوجيب في لهاثه وأنا أرى مدناً غبراء كالحة ترتمي في حضن الطاعون والإذعان.

كل ما لدي دمعة حبيسة هامدة تترجف بين الخد وجفن العين الحمراء لكن ليس من السهر، دمعة قشيبة آثمة تطعن كل محاولة حلم شارد، نسينا مهنة الأحلام بعد أن جفت مياه العيون وعرتنا رعدة العتم الباردة.

قبل أن تصل طلائع العودة لتجديد الانتماء للحياة التي سكنت الذاكرة قبل وصول الوباء تغتالها ريح سامة نازلة من مساحات تسكن وراء الغيم وراء الغيب ووراء البشر، حارة حمراء جائحة. برد وحصار، لا مأوى ولا ماء ولا ناي على شفة ملهوف، القلق بالوهم من القلق والموت أشد وطأة من الموت والقلق النازل من بلدان لا رأيناها ولا زرعنا أرضها ولا غنينا لها تطارد خطا الحياة، حرائق تتنزل ببركات غير مدركة تعابث مصائرنا ومصائر عيون أولادنا، حرائق لا تنقطع تنفثها رياح مستوردة من وراء الماء ومن قيعان الصحاري المتوحمة على اغتيال حقيقتنا، تخلفت عن اللحاق بالسماء، تطبق علينا جفونها النارية المحمرة ويتعالى النداء والولاويل والتسبيح برائحة شواء العصر، نسيس لحم البشر، رعدة أخرى من الهلع وجولة وراء جولة ويتسربل العتم والبرد، وحدي أطوف فوق الركام وبين الجثث والفراق الموجَع بالصدى المر واللهب النازف، المغترب، المبعد من مساحة الحلم وقت تنأى العين ويستبد الفراغ وتعتم الشاشة على المشهد الأحمر الشغال.

لم تكتمل صلاة الموت بعد، لم ينبت بعد السؤال المنتظر، تتحرك الشفاه المتعبة من روائح الجثث ومن الآمال البائرة ومن أحكام تبين أنها مسنونة على بلاطات الجحيم الصاهلة بالموت، كل ما أرى يسبح صلاة البوار وهشيم الكائنات المتوخمة والقوارض التي زاد سوق العرض والطلب من قيمتها. هل رحل اليقين؟ هل تاهت الدروب الموصلة؟ واستبد القر والنسيان!

حزن أسود مهووس بالقتل ورائحة المقابر والأنجم التي تطلع علينا من حمرة دم الأفق وحمرة النار التي تصهل في الأصقاع تسعى عن الرشد وبراءة المسالك الضائعة، إيقاع ناشز ممنوح صلاحية العزف بمنحة الخوف للأبد في حلق الرعب يطيح بالحجر ويدلل البشر، من يعصنا من مخاوفنا؟ ليست شيطانية كما نتوهم، من يمسك علينا وجيب قلوبنا المتبرج بلون الدم والموت والتيه الذي اغتال هدأة سكون الحياة الجليل.

ما جاور السمع ووقع عليه البصر يخبئ الغموض المريب ويقصر دروب الجبّانات ويحاصر مرابع النور خلسة وراء تخوم الذاكرة المنفلتة من المجزرة، تختفي آخر غلالات الضوء واحدة وراء الأخرى ويطبق الخواء والأنين على الغيوم المدلهمة بالسواء المعتكر المتوعد، مزاج الغيوم المعبأة بالنار تخمش باهتياج لئيم صفحة السماء وسمع الرجاء وبرهة النقاء وتمسحها عن وجنة العمر، تجيش الذاكرة بدموع حمراء ودروب نازلة بسيول حمراء تقش ما علق من بشر وكلاب وقش، ترغي وتتوعد حمراء هادرة، لا يختفي وشيشها من سهوب الرؤية، نلهث، نعضّ على أوهام، نصرخ، نبعث انتفاضة موسم قادم ليزف الحياة.

علق على هذا المقال

التعليقات مغلقة

live webcam girls
إلى الأعلى